إلى أي حد يمكن للزراعات القليلة الاستهلاك للماء أن تنقذ القطاع الفلاحي بالمغرب ؟(حوار )

فاطمة الزهراء ايت ناصر
أعادت التساقطات المطرية الأخيرة النقاش إلى الواجهة حول جدواها الفعلية في إنعاش القطاع الفلاحي، خاصة الزراعات التي لا تستهلك كميات كبيرة من المياه.
ويعيش المغرب منذ سنوات على وقع ضغط مائي غير مسبوق، فرضته توالي مواسم الجفاف واختلال التوازن بين الطلب على المياه والموارد المتاحة.
وبين التفاؤل الحذر والواقعية البيئية، يرى خبراء أن هذه الأمطار، رغم أهميتها، لا يمكن فصلها عن سياق مناخي متقلب يفرض مراجعة عميقة لنماذج الإنتاج الفلاحي.
في هذا الإطار، قمنا بحوار مع الخبير البيئي مصطفى بنرامل، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، قراءة تحليلية لآثار هذه التساقطات، وحدودها، والرهانات المستقبلية المرتبطة بالزراعة المستدامة في المغرب.
إلبكم نص الحوار:
- ما أكثر التقنيات الزراعية الواعدة في المغرب لترشيد استعمال المياه وتحسين نجاعة الري؟
التساقطات المطرية الأخيرة شكلت متنفسا مرحليا للمنظومة الفلاحية، لكنها لا ترقى إلى مستوى الحل الجذري لأزمة ندرة المياه.
ورغم أهمية الكميات المسجلة، فإن غياب التوزيع الزمني المنتظم داخل الموسم الفلاحي يقلص من فعاليتها، خصوصا بالنسبة للمزروعات التي تحتاج إلى إمدادات مائية مستقرة خلال مراحل دقيقة مثل التزهير وتكوين الثمار.
الرهان الحقيقي لا يكمن في انتظار الأمطار، بل في تعميم التقنيات الزراعية الذكية، وعلى رأسها الري بالتنقيط، والزراعة المحافظة على التربة، واستخدام التغطية النباتية التي تحد من التبخر وتحافظ على رطوبة التربة، وتوظيف المعطيات المناخية في التخطيط الزراعي، بما يسمح بتكييف الدورات الزراعية مع واقع مناخي متقلب.
- كيف يمكن تشجيع الفلاحين على الانتقال نحو زراعات أقل استهلاكًا للماء دون التأثير على دخلهم؟
الزراعات التي لا تستهلك المياه بكثرة، مثل القطاني وبعض الزراعات العلفية والنباتات المحلية المتكيفة مع الجفاف، يمكن أن تشكل بديلا واقعيا ومستداما، خاصة في ظل الإجهاد المائي المتواصل.
وقد استفادت بعض هذه الزراعات نسبيا من التساقطات الأخيرة، لا سيما في مناطق الجنوب الشرقي، حيث ساهمت الأمطار في تغذية الفرشات المائية وإحياء قنوات الري التقليدية داخل الواحات.
غير أن هذا الأثر، يظل متفاوتا جغرافيا وهشا زمنيا، بفعل محدودية الأمطار في جهات أخرى، وارتفاع درجات الحرارة الذي يرفع من معدلات التبخر.
لذلك، يجب مواكبة الفلاحين عبر التحفيز المالي، وتوفير بذور محسنة مقاومة للجفاف، وضمان قنوات تسويق عادلة تضمن دخلا مستقرا، حتى لا يتحول الانتقال نحو زراعات أقل استهلاكا للماء إلى عبء اقتصادي.
- هل هناك برامج أو حوافز حكومية كافية لدعم الفلاحة المستدامة في المغرب؟
الإشكال لا يكمن في غياب البرامج، بل في مدى وصولها الفعلي إلى الفلاحين الصغار، خصوصا في المناطق الهشة.
فضعف التأطير، وتعقيد المساطر، وتفاوت البنيات التحتية، كلها عوامل تحد من الأثر الحقيقي لهذه السياسات على أرض الواقع.
ونجاح الفلاحة المستدامة بالمغرب يمر عبر مقاربة شمولية، تجمع بين الدعم المالي، والتكوين الميداني، والتأمين الزراعي، وضمان تسويق المنتجات، والأمطار، مهما كانت غزيرة، لن تكون سوى عنصر مساعد داخل منظومة متكاملة، لا بديلا عن الإصلاح الهيكلي للقطاع.
ورغم ذلك، الحوافز الحكومية يحتاجها الفلاحون بشكل أكبر في شكل دعم مالي مستمر، وتسهيل النفاذ إلى خدمات الإرشاد الزراعي، وتطوير أسواق تسويقية تضمن عوائد جيدة للمحاصيل المستدامة، وذلك باعتباره مفتاحا أساسيا لنجاح التحول إلى زراعة أكثر كفاءة واستدامة
المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة مجموعة من البرامج والاستراتيجيات الطموحة، وعلى رأسها استراتيجية الجيل الأخضر 2020–2030، التي تهدف إلى إرساء نموذج فلاحي أكثر صمودا في وجه التغيرات المناخية.
ولا ننسى أن الدعم الدولي، خاصة برامج البنك الدولي الرامية إلى تعزيز الزراعة الذكية مناخيا وتحسين إدارة المياه والتربة، يلعب دورا مهما في تعزيز القدرات الوطنية.
في ظل الإجهاد المائي المتزايد الذي يعيشه المغرب، تبرز النبتات التي لا تستهلك كميات كبيرة من المياه كحل طبيعي وذكي للتكيف مع التغيرات المناخية.
وتشمل هذه النبتات أصنافا متكيفة مع الجفاف مثل القطاني، النباتات العطرية والطبية، الحبوب التقليدية، وبعض الأشجار المثمرة المقاومة لقلة السقي، والتي تتميز بقدرتها على النمو في ظروف مناخية صعبة مع الحفاظ على إنتاج مقبول.
ويؤكد مختصون أن توسيع الاعتماد على هذا النوع من النبتات من شأنه تقليص الضغط على الموارد المائية وضمان استدامة النظم الزراعية، خاصة بالمناطق القروية والهامشية.
غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهينا بتوفير الدعم التقني والتسويقي للفلاحين، واعتماد سياسات تشجع على اختيار الأصناف المحلية المقاومة للجفاف، بما يحقق توازنا بين حماية الماء وضمان دخل مستقر للمنتجين.










