احتقان يتصاعد داخل البنك الشعبي ونقابة “UMT” تكشف أعطاب تدبير الموارد البشرية

حسين العياشي

لم يأتِ البيان الصادر عن المكتب النقابي الجهوي للبنك الشعبي بوجدة–بركان، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، بوصفه تفاعلاً ظرفياً مع إجراء إداري معزول، بل بدا أقرب إلى جردٍ مفتوح لاختلالات متراكمة في تدبير الموارد البشرية، وتشخيصٍ لحالة احتقان اجتماعي آخذة في الاتساع داخل المؤسسة، في ظل فجوة متنامية بين خطاب التحديث وممارسات يومية لا تعكسه على أرض الواقع.

ولم يكن التركيز على ملف التقييم المهني اختياراً عابراً، إذ بات هذا الورش أحد أكثر الملفات حساسية في الوسط المهني داخل البنك. فحين تُفرَّغ آليات التقييم من بعدها الإصلاحي، وتُفصل عن منطق الاستحقاق وتكافؤ الفرص، تتحول من أدوات لترقية الأداء إلى وسائل لإعادة إنتاج الإقصاء، بما يعمّق الشعور بالحيف ويقوّض الثقة في أي مسار إصلاحي معلن.

وفي هذا السياق، يوجّه البيان الذي اطلع عليه “إعلام تيفي”، انتقادات حادة لمسار التقييم والتموضع المهني، الذي جرى تقديمه كرافعة لتحديث منظومة الموارد البشرية، معتبراً أنه انزاح عن أهدافه الأصلية، وفقد شروط الحياد والشفافية، ليغدو، بحسب لغة البيان، خاضعاً لحسابات ضيقة ذات طابع نقابي وانتخابي، تُستعمل فيها المساطر لإعادة ترتيب الاصطفافات بدل تثمين الكفاءات المهنية.

ولا يقتصر أثر هذا المسار، وفق التشخيص النقابي، على فئة بعينها، بل يمتد ليصيب المناخ العام داخل المؤسسة، إذ يؤدي إلى تآكل ما تبقى من الثقة في منظومة التقييم برمتها، ويدفع الشغيلة إلى التعامل مع مفاهيم الكفاءة والترقية باعتبارها أدوات ضغط لا معايير إنصاف، وهو ما يهدد بإفراغ ثقافة الأداء من مضمونها المهني.

لغة البيان لا تخفي حجم التوتر القائم مع الإدارة، خاصة مع الإشارة إلى ما وُصف بممارسات انتقامية وتضييق ممنهج، جرت خارج أي إطار تنظيمي واضح. وهي ممارسات، إن استمرّت، قد تنقل المؤسسة من فضاء مهني تحكمه القواعد إلى ساحة صراع مفتوح، تتحمل الإدارة، وفق البيان، مسؤوليته الكاملة.

كما يذهب البيان أبعد من ذلك بدق ناقوس الخطر بشأن ما يعتبره تسييساً للعمل النقابي داخل المؤسسة، سواء عبر توظيف آليات التدبير لخدمة تنظيم بعينه، أو من خلال استهداف مباشر للأنشطة والبيانات النقابية، في ما وصفه بصيغ حادة تمس جوهر الحق في التنظيم. وهي اتهامات تضع الإدارة أمام اختبار قانوني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل.

التحذير من منطق «زرع الريح وحصد العاصفة» لا يُقدَّم، في هذا السياق، كصيغة بلاغية بقدر ما يعكس قراءة لتداعيات استمرار نفس المقاربة، في مناخ اجتماعي يتسم بتراجع القدرة الشرائية، واتساع الإحساس بعدم الإنصاف، وتآكل الثقة في الحوار الاجتماعي كآلية لحل النزاعات المهنية.

ويستحضر البيان، في خلفية هذا التصعيد، اتفاقات اجتماعية سابقة يعتبرها قد قيّدت آفاق الشغيلة ورهنت مستقبلها المهني، في إشارة واضحة إلى أن الأزمة الحالية ليست وليدة إجراء تقني أو مسطرة إدارية بعينها، بل نتاج نمط حكامة يطرح بإلحاح أسئلة العدالة المهنية، والحياد الإداري، والديمقراطية الداخلية داخل مؤسسة بنكية بحجم البنك الشعبي.

وفي المحصلة، يرتقي البيان إلى مستوى مساءلة نقابية مباشرة تضع الإدارة أمام مفترق طرق واضح: إما الشروع في تصحيح جدي للمسار عبر فتح تحقيق مسؤول يعيد الاعتبار لمنطق الاستحقاق والكرامة المهنية، أو الاستمرار في تدبير الاحتقان بمنطق الأمر الواقع، بما يحمله ذلك من مخاطر حقيقية على الاستقرار الاجتماعي داخل المؤسسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى