استمرار أخطاء ترجمة الأمازيغية في الفضاء العمومي يفضح أعطاب تفعيل طابعها الرسمي

أميمة حدري: صحافية متدربة

في الوقت الذي يفترض أن يشكل إدماج اللغة الأمازيغية في الفضاء العمومي، أحد أبرز تجليات تفعيل طابعها الرسمي، كما نص عليه دستور المملكة لسنة 2011، تتواصل مظاهر الارتباك والاختلال المرتبطة بترجمتها وكتابتها، خاصة بحرفها الرسمي “تيفيناغ”، على واجهات المؤسسات العمومية وعلامات التشوير واللوحات الإشهارية، بل تم تصنيفها من طرف مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، كلغة أجنبية، في سابقة أثارت الجدل.

أخطاء لغوية متكررة، وترجمات غير دقيقة، وصيغ كتابية تفتقر إلى الحد الأدنى من الضبط اللساني، باتت تثير تساؤلات متزايدة حول مدى جدية هذا الورش الدستوري، وحدود التزام القطاعات المعنية بروحه ومقتضياته القانونية، وعلى رأسها القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

الأمازيغية بين الترسيم الدستوري والممارسة الهامشية داخل المؤسسات

عبد الله بوشطارت، عضو مجموعة الوفاء للبديل الأمازيغي، قال إن استمرار الأخطاء الإملائية والتركيبية، وسوء ترجمة معاني الأسماء والكلمات باللغة الأمازيغية في الفضاء العمومي، يعكس تراكب مجموعة من الأسباب والعوامل العميقة، التي لا يمكن اختزالها في الهفوات التقنية أو الأخطاء العرضية، بل ترتبط أساسا بطريقة تعاطي الحكومة وعدد من المؤسسات العمومية مع اللغة الأمازيغية، التي ما تزال تعامل، في الممارسة، كلغة هامشية لم ترق بعد إلى مصاف لغة الدولة والمؤسسات، رغم ما ينص عليه الدستور من ترسيم رسمي لها.

وأوضح بوشطارت، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن هذا التصور السلبي لم يتشكل في فراغ، بل هو نتيجة صورة نمطية جرى ترسيخها لعقود داخل المجتمع، بفعل سياسات التغييب والإقصاء التي طالت الأمازيغية داخل المدرسة العمومية ووسائل الإعلام العمومية والفضاء العام، وهو ما أفرز، بحسب تعبيره، “واقعا سلبيا” تجاه اللغة الأمازيغية، لم يقتصر أثره على غير الناطقين بها، بل امتد حتى إلى فئات واسعة من الأمازيغ أنفسهم، الذين باتوا يشعرون بعدم الجدوى من تعلمها، ما دامت خارج مؤسسات الدولة ولا تؤدي وظيفة حقيقية في الاندماج الاجتماعي أو الترقي المهني، مقارنة بلغات أخرى تخصص لها الحكومة سنويا إمكانيات واسعة ومناصب شغل متعددة.

وأضاف المتحدث أن هذا الاستخفاف غير المبرر بالأمازيغية، وتلك الصورة السلبية التي تم تسييدها وتعميمها عبر سنوات طويلة، هما ما يفسر، في نظره، “الطريقة التي تتعامل بها الحكومة اليوم مع هذا الورش الدستوري”، حيث تختزل الأمازيغية في عبء إضافي أو التزام شكلي، “كمصرانة زايدة”، فرضته الظروف وضغط الوعي الشعبي المتزايد، خصوصا في أوساط الشباب الذين انخرطوا بقوة في ديناميات الدفاع عن الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، ورفعوا منسوب المطالبة بإنصافها داخل السياسات العمومية.

وشدد بوشطارت على أن ما يطفو على السطح من اختلالات في الترجمة والكتابة بالأمازيغية داخل الفضاء العمومي، “لا يمثل سوى جزء بسيط من واقع أكثر قتامة تعانيه الأمازيغية داخل المؤسسات”، معتبرا أن هذه المظاهر تكشف بشكل واضح عن “طبيعة السياسة الحكومية في تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وتفضح الرؤية التي تحكم تعاطي الفاعل الحكومي معها”.

غياب الإرادة السياسية وتكريس الإدماج الشكلي للأمازيغية

وأكد الفاعل ذاته أن السبب الجوهري لهذا الوضع، “يتمثل في غياب إرادة سياسية حقيقية لإنصاف الأمازيغية وتفعيل رسميتها بشكل فعلي”، معتبرا أن ما يجري لا يرقى حتى إلى مستوى الاعتراف الرمزي، بل يعكس، بحسب توصيفه، “حالة من النفاق السياسي”، ويتجلى في إدماج متسرع وشكلي للأمازيغية في الواجهات أو في إطار فولكلوري واستعراضي، عبر المهرجانات والاحتفالات الرسمية وطقوس العبور البروتوكولية.

وختم الناشط الأمازيغي بالتأكيد على أن هذا السلوك يبرز بجلاء أن الحكومة وأحزابها لا تتعامل مع الأمازيغية باعتبارها قضية مركزية ذات بعد ديمقراطي وحقوقي، بل كورقة انتخابية صرفة، يتم استدعاؤها والتلويح بها خلال الزمن الانتخابي، مقابل تغييبها في الزمن الحكومي الفعلي، حيث تبرمج الميزانيات، وتحدث مناصب الشغل، وتصاغ السياسات العمومية والبرامج الوطنية الكفيلة، في نظره، بإنصاف الأمازيغية وإخراج رسميتها من دائرة الشعارات إلى مجال الفعل المؤسساتي الملموس.

هذا الواقع القاتم، الذي لم يعد معزولا، يعكس أعطابا بنيوية في تنزيل رسمية الأمازيغية، تتجاوز مجرد أخطاء تقنية أو هفوات فردية، لتطرح إشكالا أعمق يرتبط بالحكامة اللغوية، وغياب آليات المراقبة والمواكبة، وضعف التنسيق بين المؤسسات، فضلا عن محدودية إشراك الكفاءات المتخصصة في اللغة الأمازيغية في عمليات الترجمة والكتابة.

كما يعيد إلى الواجهة سؤال الانتقال من الاعتراف الدستوري الرمزي إلى التفعيل العملي الفعلي، بما يحفظ للأمازيغية مكانتها كلغة رسمية، ويصون الحق اللغوي للمواطنين، ويجنب هذا الورش الوطني الانزلاق نحو ممارسة شكلية تفرغه من دلالاته الحقوقية والثقافية، كما نبهت إلى ذلك مرارا تقارير ومداخلات أكاديمية وحقوقية منشورة في النقاش العمومي الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى