الأبواب المفتوحة للأمن الوطني.. انفتاح مؤسساتي يعزز الثقة ويجسد التحول الرقمي الأمني

فاطمة الزهراء ايت ناصر

اختتمت فعاليات الدورة السادسة لأيام الأبواب المفتوحة للمديرية العامة للأمن الوطني، التي نظمت لأول مرة بمدينة الجديدة في الفترة الممتدة من 17 إلى 21 ماي 2025، تحت شعار: “فخورون بخدمة أمة عريقة وعرش مجيد”، وذلك بالتزامن مع الذكرى الـ 69 لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني.

وتميزت هذه التظاهرة بتحقيق رقم قياسي غير مسبوق من حيث عدد الزوار، بلغ ما يقارب 2.4 مليون زائر، في تجسيد ملموس لانفتاح المؤسسة الأمنية على مختلف شرائح المجتمع.

فضاء الطفل.. الأمن الوطني يخاطب براعم المستقبل

من بين أبرز ما ميز هذه الدورة، إحداث فضاء ترفيهي تربوي مخصص للأطفال، شكل منصة تواصلية فريدة بين رجال ونساء الأمن الوطني وفئة التلاميذ والأطفال من مختلف ربوع المملكة.

وخصصت اللجنة المنظمة لهذا الفضاء مساحة فسيحة بلغت 1000 متر مربع، جُهزت بأحدث الألعاب الإلكترونية، وورشات فنية وإبداعية، إلى جانب مسابقات وأنشطة موجهة للأطفال، في بيئة آمنة وتربوية.

وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أكد محمد مشماشي، عميد الشرطة الممتاز والكاتب العام لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، أن هذا الفضاء يأتي في إطار ترسيخ فلسفة الأبواب المفتوحة، التي تهدف إلى إشاعة قيم المواطنة والتكافل وتعزيز الروح الوطنية لدى الناشئة، من خلال أنشطة تفاعلية وتربوية تدمج الترفيه بالتوعية الأمنية.

شرطة الخيالة.. أمان في قلب الطبيعة والسياحة

ومن بين الرواقات التي أثارت اهتمام الزوار، خصوصا الشباب والأطفال، رواق شرطة الخيالة، الذي قدم عروضًا حيّة ومعلومات معمّقة حول الدور الاستراتيجي لهذه الفرق في تأمين الفضاءات السياحية، والغابات، والشواطئ، وغيرها من المناطق التي يصعب الوصول إليها بالمركبات التقليدية.

وأوضح محمد بوحلوش، رئيس قسم شرطة الخيالة، أن فرق الخيالة تجسد سياسة شرطة القرب بامتياز، وتضطلع بمهام تتجاوز الطابع الأمني إلى ما هو بيئي وسياحي، حيث تسهر على سلامة المواطنين والسياح في آنٍ واحد. كما أبرز أهمية مهن الفروسية، من “سائس الخيل” إلى “المساعد البيطري”، ودورهم في إعداد الخيول وتكوين الفرسان في مدرسة الخيالة.

الدرونات في صلب الرؤية الاستراتيجية لبناء أمن ذكي واستباقي

في إطار الدورة السادسة لأيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني، برز رواق المسيرات الطائرة (الدرونات) ليس فقط كفضاء لعرض المعدات والتقنيات الحديثة، بل أيضًا كمنصة لاستشراف ملامح الأمن المستقبلي المبني على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الذكية.

ويؤكد هذا الحضور القوي للدرونات حرص المديرية العامة للأمن الوطني على ترسيخ نموذج أمني متطور، قائم على الرقمنة والاستباق، وقادر على التفاعل اللحظي مع مختلف الأوضاع الأمنية.

فالدرونات، بما تتمتع به من قدرات تحليلية وتقنية متقدمة، أضحت رافعة أساسية في التحول نحو منظومة أمنية ذكية، تتجاوز حدود الرصد التقليدي لتلعب دورًا محوريًا في التنبؤ بالمخاطر وتوجيه الموارد بشكل دقيق وفعال. وهو ما يعكس توجه المؤسسة الأمنية نحو تحديث آليات الاشتغال، بما يواكب تطورات العصر ويستجيب لتطلعات المواطن في الأمن والاستقرار.

ولفتت دورية الشرطة الذكية “أمان” أنظار الزوار في رواق الأروقة ضمن فعاليات الدورة السادسة لأيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني بمدينة الجديدة، حيث مثّلت نموذجًا متطورًا يعكس طموح المملكة للارتقاء بالأداء الأمني وتحقيق التميز في مجال التكنولوجيا الشرطية، بما يضع المغرب في مصاف الدول الرائدة في هذا المجال.

وتُعد “أمان” ثمرة جهود مغربية خالصة، تم تطويرها تقنيًا بسواعد وكفاءات علمية شابة تابعة للمديرية العامة للأمن الوطني، مما يبرز مستوى التقدم الذي أحرزته البلاد في مجال اللوجستيك الأمني. وقد تم تجهيز المركبة بمعدات من الجيل الجديد وخوارزميات ذكاء اصطناعي، ما يتيح لها أداء مهامها بكفاءة عالية، تشمل تتبع المخالفات بشكل لحظي والحد من الجريمة، من خلال أتمتة إجراءات العمل الأمني.

وسلطت التظاهرة الضوء على التطور التكنولوجي واللوجستي للمؤسسة الأمنية، من خلال عرض دورية “أمان” الذكية، المجهزة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقواعد بيانات موصولة لحظيًا، إلى جانب أروقة الهوية الرقمية، الأمن الطرقي، الشرطة العلمية، وخلايا التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف.

بُعد معرفي يعزز انفتاح المؤسسة الأمنية على محيطها الأكاديمي والمدني

وحظي البُعد المعرفي بحضور لافت من خلال تنظيم ندوات علمية فتحت نقاشًا تفاعليًا مع مكونات المجتمع المدني والهيئات الأكاديمية. وشكلت هذه اللقاءات الفكرية فرصة للتعمق في قضايا أمنية راهنة، من بينها الاستخدامات المتقدمة للذكاء الاصطناعي في المجال الأمني، والتجربة المغربية في تدبير وتأمين التظاهرات الكبرى.

كما ناقشت الندوات الاستعدادات والتحديات المرتبطة باحتضان المملكة لكأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، إلى جانب مواضيع تتعلق بالتحول الرقمي للخدمات العمومية، خاصة من خلال الهوية الرقمية، ومنصة “إبلاغ” التي تُمثل نموذجًا مبتكرًا في تعزيز الحماية الرقمية للمواطنين وتيسير تفاعلهم مع المصالح الأمنية.

رواق الذاكرة والإبداع: توثيق تاريخ الشرطة المغربية وتجلياتها الفنية

وتم عرض مجموعة من المركبات التاريخية التي تعود إلى مختلف مراحل تطور جهاز الشرطة منذ تأسيسه قبل 69 سنة، إلى جانب أزياء رسمية ومعدات ميدانية وكاميرات أرشيفية توثق محطات بارزة من تاريخ المؤسسة الأمنية وتحولاتها المتلاحقة.


وفي لفتة فنية ذات بعد إنساني، خُصص رواق للفن التشكيلي احتضن أعمالاً إبداعية من إنتاج موظفي الأمن الوطني، تجسد برؤية فنية عميقة الأبعاد الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بمهنة الشرطة ورسالتها في خدمة المواطن.

المقر الجديد للأمن الوطني نقلة نوعية في الأمن المغربي

ينتظر أن يشرف جلالة الملك محمد السادس على تدشين المقر الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني، تزامنًا مع احتفالات عيد العرش، بعدما أعطى انطلاقة إنجازه سنة 2019.

ويمتد المقر، المشيَّد على مساحة 20 هكتارًا بحي الرياض بالرباط، على طراز معماري مغربي يجمع بين الحداثة والنجاعة، بكلفة تناهز 2 مليار درهم.

ويضم المركب الإداري الجديد كافة المديريات المركزية، قاعة للندوات تتسع لـ1200 مقعد، متحفًا، مركزًا للأرشيف، وللمعطيات التعريفية، وللمعلوميات، ومرافق رياضية، بالإضافة إلى مرآب يستوعب 1500 سيارة.

ويراعي المشروع المعايير الأمنية والهندسية والبيئية الحديثة، ويهدف إلى تجميع المصالح في بنية موحدة متطورة تعكس التحول العميق الذي تعرفه المؤسسة الأمنية المغربية.

تظاهرة مواطِنة بامتياز

وبحسب بلاغ رسمي، استقطبت هذه الأروقة تفاعلًا كبيرًا من الزوار، بينهم ممثلو 1916 مؤسسة تعليمية، و1500 هيئة من المجتمع المدني، و187 منبرًا إعلاميًا. وتميزت هذه الدورة باستخدام منصات التواصل الاجتماعي للنقل المباشر للأنشطة، مما ساهم في تحقيق أكثر من 29 مليون مشاهدة.

وتعد أيام الأبواب المفتوحة للمديرية العامة للأمن الوطني محطة سنوية استراتيجية لإعادة رسم العلاقة بين المواطن ورجل الأمن على أساس الشفافية والثقة والاقتراب من نبض الشارع. وهي فرصة أيضًا لتعزيز الحس الوطني ونشر الثقافة الأمنية في المجتمع، خاصة بين الأطفال والشباب، من خلال دمج الأمن بالترفيه، والمعرفة بالتفاعل.

ونجحت النسخة السادسة، من خلال انفتاحها الشامل، في تكريس الأمن كخدمة عمومية مواطِنة، وتحقيق المعادلة الصعبة بين القوة والإنصات، وبين الانضباط والتواصل. وهي تجربة مرشحة للتكرار في مدن أخرى، بهدف إشراك كافة جهات المملكة في هذا الورش التواصلي الوطني المتجدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى