الأداء الإلكتروني.. حين يخسر التاجر الصغير رهان الرقمنة

فاطمة الزهراء ايت ناصر
محمد، صاحب مخبزة بحي شعبي بمدينة الرباط، لا يُخفي تردده كلما مدّ له زبون بطاقته البنكية لأداء ثمن خبزة أو قهوة.
فبين ما يُقدَّم على أنه خطوة نحو العصرنة وتسهيل المعاملات، وما يعيشه التاجر الصغير من حسابات دقيقة للربح والخسارة، يجد نفسه أمام خيار لا يخلو من الإكراه.
في زمن تتسارع فيه وتيرة رقمنة المعاملات المالية، أصبح الأداء عبر البطاقة البنكية أو التطبيقات الإلكترونية حاضرًا بقوة داخل محلات القرب، من مخابز ومقاهٍ ومتاجر صغيرة. وتراهن المؤسسات البنكية على هذا التحول باعتباره وسيلة لتقليص التعامل بالنقد، وتبسيط عمليات الأداء، ومواكبة التحولات الرقمية التي يعرفها الاقتصاد الوطني.
غير أن هذا التوجه يثير، في المقابل، نقاشًا متزايدًا في أوساط التجار الصغار، خاصة أولئك الذين يعتمد نشاطهم اليومي على معاملات بسيطة القيمة، لا تتجاوز في كثير من الأحيان ثلاثة أو خمسة دراهم.
وفي هذا السياق، أوضح محمد، في تصريح لموقع “إعلام تيفي”، أن الدفع الإلكتروني يحمل بالفعل مجموعة من الإيجابيات بالنسبة للزبون، أبرزها السرعة وتفادي مشكل البحث عن البقشيش “الصرف”، خاصة في ظل عزوف فئة واسعة من المواطنين عن حمل النقود.
كما أن هذه الوسيلة، يضيف المتحدث، تشجع بعض الزبائن على اقتناء منتجات إضافية لم تكن ضمن حساباتهم، مادام الأداء يتم بسهولة وبضغطة زر.
لكن، ورغم هذه الإيجابيات، يؤكد محمد أن المستفيد الأول من هذا النمط من الأداء يظل هو الزبون، وليس التاجر الصغير. فالمعاملات اليومية داخل المخابز، كما يقول، غالبًا ما تكون محدودة القيمة، ما يجعل الأداء بالبطاقة البنكية غير عملي ولا منسجم مع طبيعة هذا النشاط.
ويشير المتحدث إلى أن العمولات التي تقتطعها الأبناك وشركات الأداء الإلكتروني تشكل عبئًا حقيقيًا، خاصة حين يتعلق الأمر بمبالغ تتراوح بين 10 و20 أو 30 درهمًا، حيث يُقتطع جزء من هامش الربح الضعيف أصلا، مما يجعل العملية، حسب تعبيره، غير مربحة. ويضيف بلهجة صريحة: “إلى درت الحساب ديال الربح، هاد الطريقة ما كتخرجنيش”.
ولا يقف التحفظ عند الجانب المالي فقط، بل يمتد ليشمل البعد الاجتماعي، إذ يرى محمد أن تعميم الدفع الإلكتروني لا يراعي واقع فئات واسعة من المواطنين الذين لا يتوفرون على حسابات بنكية، خصوصا في الأحياء الشعبية، ما قد يؤدي إلى إقصائهم بشكل غير مباشر من الولوج إلى خدمات أساسية.
ويختم صاحب المخبزة حديثه بالتأكيد على أنه يعتمد خدمة الدفع الإلكتروني فقط من باب التيسير على بعض الزبائن، وليس عن اقتناع كامل، قائلاً: “كنخليها غير باش نقضي الغرض للزبون، ولكن شخصيا ما متفقش معها مئة فالمئة”.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة إشكالية التوازن بين تسريع الانتقال نحو الاقتصاد الرقمي، وحماية مصالح التجار الصغار، في ظل الحاجة إلى حلول عملية تضمن تقليص كلفة الخدمات البنكية، وجعلها أكثر ملاءمة لخصوصيات التجارة اليومية، حتى لا تتحول الرقمنة من فرصة للتحديث إلى عبء إضافي على الفاعلين الصغار.





