الأفروسنتريسم… بين تصحيح التاريخ وصناعة أسطورة جديدة

سعيد كان
في العقود الأخيرة، برز خطاب فكري يسعى إلى إعادة تموضع إفريقيا داخل التاريخ العالمي، بعد قرون من التهميش والتشويه. هذا الخطاب، المعروف بالأفروسنتريسم، لم يأتِ من فراغ، بل وُلد من رحم جرح تاريخي عميق. كان هدفه الأساسي بسيطًا ومشروعًا: أن تُروى قصة إفريقيا من داخلها، لا من منظور الآخر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن مشروعية الدافع، بل عن مآلات الخطاب. هل بقي مشروعًا تصحيحيًا؟ أم أنه انزلق، في بعض تجلياته، نحو إعادة إنتاج مركزية جديدة؟ وهل يمكن لأفكار وُلدت دفاعًا عن الكرامة أن تُستعمل لاحقًا في سياقات تضرّ بالأفارقة أنفسهم؟
من ردّ الاعتبار إلى إعادة التمركز
لا يمكن إنكار أن السرديات الاستعمارية همّشت إسهام إفريقيا في الحضارة الإنسانية. اختُزلت القارة طويلًا في صورة العجز والتأخر، وتحوّل تاريخها إلى هامش في الكتب المدرسية العالمية.
في هذا السياق، كان من الطبيعي أن يظهر تيار يعيد التأكيد على العمق الحضاري الإفريقي، وعلى دور القارة في نشأة الإنسان، وفي بناء أنظمة معرفية وسياسية مبكرة.
غير أن بعض أطروحات الأفروسنتريسم تجاوزت حدود التصحيح، لتنتقل من تفكيك مركزية أوروبية إلى اقتراح مركزية إفريقية مقابلة.
وهنا يكمن التحول الخطير: فبدل تفكيك فكرة “المركز”، يجري فقط استبدال موقعه.
إشكالية القارة المتجانسة
واحدة من أبرز نقاط الضعف في بعض الخطابات الأفروسنتريّة هي التعامل مع إفريقيا كما لو كانت وحدة ثقافية صلبة، ذات روح واحدة وتاريخ متجانس.
لكن إفريقيا، في الواقع، فسيفساء هائلة من اللغات والهويات والمسارات التاريخية المتباينة.
حين يُختزل هذا التنوع في سردية موحَّدة، فإننا نقع في المفارقة: ننتقد الغرب لأنه اختزل القارة، ثم نعيد اختزالها نحن باسم الدفاع عنها.
الهوية الإفريقية، إن وُجدت، فهي إطار واسع يضم اختلافات عميقة، لا جوهرًا ثابتًا يُسقَط على الجميع.
بين الوعي التاريخي والهروب من الحاضر
ثمّة بعد آخر أكثر حساسية. بعض الخطابات الأفروسنتريّة تميل إلى تفسير كل تعثر معاصر بإرث الاستعمار وحده.
لا شك أن الاستعمار ترك ندوبًا بنيوية في السياسة والاقتصاد، لكن تحويله إلى تفسير شامل ومطلق قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: إعفاء الحاضر من المساءلة.
لا يمكن بناء نهضة حقيقية عبر خطاب يركّز حصريًا على الماضي.
فالمسؤولية التاريخية لا تُلغي المسؤولية السياسية الراهنة.
حين تتحول الفكرة إلى ذريعة سياسية
المشكلة لا تقف عند حدود الجدل الأكاديمي. فحين تُختزل الهويات في شعارات، يمكن أن تتحول الأفكار إلى أدوات تعبئة سياسية خطيرة.
في فبراير 2023، أثارت تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيّد جدلاً واسعًا حين تحدث عن وجود «مؤامرة» تهدف إلى تغيير التركيبة الديمغرافية لتونس عبر الهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء. الخطاب استند إلى فكرة قريبة مما يُعرف عالميًا بنظرية “الاستبدال”، أي الخوف من إحلال سكاني يهدد هوية البلد.
بعيدًا عن الجدل السياسي الداخلي، فإن ما أعقب تلك التصريحات كان مقلقًا: موجة من الاعتداءات والعنصرية ضد مهاجرين أفارقة، بعضهم طلاب أو مقيمون بصفة قانونية. فجأة، تحوّل “الأفريقي” إلى خطر ديمغرافي محتمل، لا إلى إنسان يبحث عن فرصة أو أمان.
هنا تتضح المفارقة المؤلمة:
خطابات الهوية — سواء جاءت من منطلق تمجيدي أو من منطلق دفاعي — يمكن أن تُستخدم في سياقات معينة لتبرير الإقصاء أو التخويف. وعندما تتحول فكرة عن “المركز الإفريقي” أو “الهوية المهددة” إلى أداة سياسية، فإن أول من يدفع الثمن هم الأفارقة أنفسهم.
الأفكار، مهما بدت نظرية، ليست بريئة دائمًا. فهي حين تغادر الكتب وتدخل الشارع، قد تكتسب حياة مختلفة تمامًا.
حين يتحول الاعتزاز إلى أيديولوجيا
الاعتزاز بالانتماء حق طبيعي، بل ضرورة نفسية وثقافية. لكن الاعتزاز حين يتحول إلى أيديولوجيا مغلقة، يفقد مرونته.
المشكلة ليست في حب إفريقيا، بل في تحويل هذا الحب إلى يقين غير قابل للنقاش.
الفكر التحرري لا يعني استبدال سردية بسردية، بل تحرير العقل من الحاجة إلى مركز أصلاً.
وإفريقيا لا تحتاج إلى أسطرة كي تُحترم؛ تحتاج إلى قراءة دقيقة، علمية، ونقدية، تعترف بإنجازاتها كما تعترف بإخفاقاتها.
ما تحتاجه القارة فعلًا
المعركة الحقيقية ليست بين مركزية أوروبية ومركزية إفريقية، بل بين عقل نقدي وعقل دوغمائي.
الأفروسنتريسم، في أفضل تجلياته، دعوة لاستعادة الصوت.
وفي أسوأ تجلياته، خطر الوقوع في خطاب تعويضي يعيد إنتاج ما كان يرفضه.
إفريقيا لن تستعيد مكانتها عبر المبالغة، بل عبر العمل، والمعرفة، وبناء مؤسسات قوية، وإنتاج معرفة رصينة عن ذاتها.
فالكرامة لا تُبنى على الأسطورة… بل على الوعي.





