التحولات المناخية بالمغرب بين تدبير الطوارئ وإعادة هندسة السياسات العمومية.. قراءة في الأبعاد الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية

بدر الزاهر الأزرق*
*أستاذ باحث في قانون الاعمال والاقتصاد بجامعة الحسن الثاني – الدار البيضاء
يشهد المغرب، كما باقي دول الحوض المتوسطي، تحولات مناخية متسارعة تتسم بحدة التباين وعدم الانتظام، حيث تتعاقب دورات الجفاف الطويلة مع موجات تساقطات مطرية مركزة وعنيفة تُفضي أحياناً إلى فيضانات مدمرة وخسائر بشرية ومادية معتبرة. هذا السياق المناخي المضطرب لم يعد مجرد ظاهرة بيئية عابرة، بل أصبح محدداً بنيوياً يؤثر في السياسات الاقتصادية، والتوازنات المالية، والتخطيط العمراني، واستقرار النسيج الاجتماعي والإنتاجي. فبين تدبير الندرة المائية خلال سنوات الجفاف، وتدبير الوفرة المفاجئة وما يرافقها من مخاطر السيول والفيضانات، تجد الدولة نفسها أمام ضرورة إعادة توجيه اختياراتها التنموية على أسس أكثر مرونة واستباقية. وقد أبرزت الأحداث الأخيرة أن التعامل مع الكوارث الطبيعية لا يمكن أن يظل رهين منطق التدخل الظرفي، بل يستدعي مقاربة شمولية تمس المالية العمومية، ودعم المقاولات، وإعادة تأهيل البنيات التحتية، ومراجعة فلسفة التعمير، وتعزيز آليات التكيف المناخي. من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى تحليل كيفية تفاعل السياسات العمومية المغربية مع هذه التحولات، من خلال خمسة محاور مترابطة تلامس البعد الماكرو-اقتصادي، والاجتماعي، والمقاولاتي، والعمراني، والاستراتيجي.
من كلفة الاضطراب إلى عائد الماء: قراءة اقتصادية في الأثر المزدوج للتساقطات المطرية
إن التقييم الموضوعي للتساقطات الأخيرة يقتضي الخروج من منطق الانطباع الآني الذي تفرضه صور الفيضانات والخسائر، إلى منطق التحليل على أساس ميزان المنافع والتكاليف وعلى أساس الأفق الزمني. لأن الوقوف فقط عند ما خلفته الفيضانات في بعض مناطق الشمال والسيول في محيط آسفي—من خسائر بشرية ومادية وأضرار طالت القطيع والمستغلات الزراعية والبنيات—يوحي وكأن هذه الأمطار لم تحمل للمغرب إلا الخسارة، وهذه نظرة قاصرة لسبب بسيط: الآثار السلبية فورية ومركّزة ومرئية، بينما الآثار الإيجابية مؤجلة وتظهر تدريجيًا. بمعنى آخر، نحن نرى الآن “كلفة الاضطراب”، لكن “عائد الماء” لا يظهر إلا بعد أسابيع وأشهر.
على المستوى الفلاحي تحديدًا، من المنتظر خلال الأشهر القليلة المقبلة أن ينعكس تحسن الرطوبة وتساقط الثلوج وعودة الجريان السطحي على المحاصيل الربيعية والصيفية، وفي مقدمتها الحبوب والأعلاف والقطاني، ما قد يرفع الإنتاج الفلاحي فوق التوقعات التي كانت، قبل هذه التساقطات، تميل إلى المتوسط أو الضعيف بفعل توالي سنوات الجفاف. وهذا التحسن لا يقاس فقط بكمية الإنتاج، بل كذلك بتأثيره على سلوك الفلاح: حين تتوفر المياه وتتحسن المراعي، تقل كلفة السقي والأعلاف، وتتحسن شروط تربية القطيع، وتستعيد الدورة الفلاحية نوعًا من التوازن. ومن هنا نفهم لماذا يُعوَّل على الموسم المطير في خلق دفعة اقتصادية: فالقطاع الفلاحي حين يتنفس، يخلق تشغيلًا مباشرًا وغير مباشر، وقد عرفنا في السنوات الأخيرة كيف أن الجفاف أدى إلى فقدان أعداد كبيرة من فرص الشغل في المجال القروي (تُتداول تقديرات تفوق 250 ألف منصب في بعض الفترات)، وهو ما يضغط على الدخل القروي والهجرة الداخلية وعلى الطلب المحلي عمومًا. فإذا تحسن الموسم، فإن ذلك قد يترجم إلى استعادة جزء من التشغيل الموسمي، وتحسن دخل ملايين الأسر المرتبطة بالزراعة وتربية الماشية، وهو ما ينعكس بدوره على الاستهلاك وعلى أنشطة القرى والهوامش.
الأثر يمتد كذلك إلى القطاعات المرتبطة بالزراعة: الصناعات الغذائية والتحويلية، النقل والتخزين، الخدمات، وحتى بعض صادرات المنتوجات الفلاحية والغذائية. فحين تتحسن المردودية وتستقر الكلفة، يصبح المنتج الوطني أكثر تنافسية داخليًا وخارجيًا، وتقل الحاجة إلى الاستيراد في بعض السلاسل، وتتحسن هوامش التصدير. وهنا يمكن أن نربط ذلك بنقطة مهمة: ليس الهدف فقط “رفع الصادرات”، بل تخفيض كلفة السلة الغذائية عبر توفير عرض محلي أفضل، وتحسين قدرة الأسر على مواجهة التضخم، خصوصًا في المواد التي تتأثر بأسعار الأعلاف والطاقة والمياه. وبالحديث عن الصادرات، صحيح أن هذه الصادرات قد بلغت 8 مليارات دولار في بعض السنوات، لكن الأهم هو الاتجاه العام، موسم مطير جيد يعني غالبًا تحسنًا في الميزان الفلاحي-الغذائي سواء عبر ارتفاع العرض أو عبر تحسن الجودة والكلفة.
أما على مستوى الموارد المائية، فهنا أيضًا ينبغي التفريق بين “مكاسب فورية” و”مكاسب متدرجة”. امتلاء السدود وارتفاع حقينتها”التي بلغت نسبة 100% في بعض الأحواض “، لكن الأكثر أهمية هو ما لا يُرى بالعين، تغذية الفرشات المائية. فالمياه الجوفية تستعيد عافيتها ببطء، وتأثير التساقطات على الفرشات قد يكون أعمق وأكثر استدامة من أثرها على المياه السطحية، خصوصًا إذا ترافقت الأمطار مع فترات تسرب فعالة ومع إدارة جيدة للفرشات. ولا ننسى كذلك أن ذوبان الثلوج خلال الربيع يشكل “مخزونًا مؤجلًا” قد يدعم الجريان والسدود ويغذي الفرشات على مراحل، ما يطيل أثر الموسم المطير.
لكن في المقابل، هذه التحولات تذكّرنا بأننا لم نعد أمام مناخ “منتظم”، بل أمام تطرف مناخي: سنوات جفاف طويلة تتبعها فترات مطرية قوية قد تتحول إلى فيضانات مدمرة. لذلك لا ينبغي أن ننزلق إلى التفاؤل السهل أو إلى التشاؤم المطلق. المطلوب هو استخلاص درس سياساتي واضح، المغرب (كما بلدان المنطقة) يحتاج إلى الانتقال من سياسة تُدار بمنطق “الاستجابة للأزمة” إلى سياسة تُدار بمنطق إدارة المخاطر. أي، الاستثمار في التهيئة الحضرية وقنوات تصريف مياه الأمطار، حماية المجاري والأودية، تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، مراجعة التعمير في مناطق الخطر، وتوسيع أدوات التأمين الفلاحي، بالتوازي مع مواصلة مشاريع تعبئة الموارد (سدود، تحلية، ربط مائي، اقتصاد الماء). بهذا فقط يمكن أن نحول المطر من “حدث كارثي محتمل” إلى “رافعة تنموية” تقل كلفته وتتعاظم منافعه.
بين استقرار التضخم وتقلبات الأسعار الفلاحية: كيف يعيد الموسم المطري تشكيل المعادلة السعرية؟
فيما يتعلق بالتضخم، من المهم التأكيد على أن المؤشرات خلال الأشهر الأخيرة عرفت منحىً استقرارياً واضحاً، حيث تراوحت النسب في حدود 1,5% إلى 2%، وهي مستويات تُعتبر مقبولة ضمن المعايير الدولية، وتعكس عودة تدريجية إلى توازن الأسعار بعد موجة التضخم المرتفعة التي شهدها المغرب في أعقاب اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية. هذا الاستقرار يعكس تحسن شروط العرض، وتراجع الضغوط الخارجية، إضافة إلى تدخلات السياسة النقدية والمالية لضبط الأسعار. غير أن الأهم في السياق الراهن هو التمييز بين التضخم البنيوي المرتبط بدورة الاقتصاد الكلي، وبين تقلبات الأسعار الموسمية المرتبطة بالإنتاج الفلاحي، فهما مساران مختلفان وإن تقاطعا أحياناً في النتائج.
جرت العادة في المغرب، كما في باقي الاقتصادات ذات الحساسية المناخية، أن تعرف السنوات المطيرة انخفاضاً ملحوظاً في أسعار عدد من المواد الفلاحية المنتجة محلياً، نتيجة وفرة العرض وتحسن المردودية الزراعية، وهو ما يؤدي إلى ضغط تنازلي على أسعار الخضر والفواكه وبعض الحبوب، بمعزل عن المسار العام للتضخم. ومع تحسن المراعي وامتلاء السدود وعودة الغطاء النباتي، يُنتظر أيضاً أن تستقر أسعار المنتجات الحليبية، نظراً لانخفاض كلفة الأعلاف وتراجع الضغط على المربين. كما يُتوقع أن ينعكس ذلك تدريجياً على أسعار اللحوم الحمراء، التي شهدت خلال السنتين الماضيتين ارتفاعاً غير مسبوق نتيجة تهاوي أعداد القطيع بما يقارب 60% في بعض التقديرات، بفعل الجفاف وارتفاع تكاليف التغذية. وقد أدى هذا الوضع إلى بلوغ أسعار الكيلوغرام مستويات فاقت 100 درهم، وخلق حالة من الندرة دفعت السلطات إلى اللجوء إلى استيراد اللحوم والأبقار والأغنام من إسبانيا والأرجنتين والبرازيل، بل واتخاذ قرار استثنائي بإلغاء شعيرة عيد الأضحى لتخفيف الضغط على القطيع الوطني.
عموما، يمكن القول إن تحسن الموسم المطري لا يؤثر فقط على المؤشرات الفلاحية، بل يحمل أيضاً أبعاداً اجتماعية واقتصادية أوسع، من خلال تقليص الضغط على القدرة الشرائية للأسر، وتخفيف فاتورة الاستيراد، ودعم التوازنات التجارية. غير أن هذا الأثر الإيجابي يظل مشروطاً بحسن تدبير المرحلة المقبلة، عبر الاستمرار في دعم إعادة تكوين القطيع، وتأطير سلاسل التوزيع، ومواصلة سياسات المراقبة لضمان انتقال انخفاض التكلفة إلى المستهلك النهائي. فالمعادلة اليوم لا تتعلق فقط باستقرار التضخم في حد ذاته، بل بكيفية ترجمة وفرة الموارد إلى استقرار فعلي ومستدام في أسعار المواد الأساسية، بما يعزز الثقة في الدورة الاقتصادية ويخفف من آثار السنوات العجاف الماضية.
عجز الميزانية بين البنية الهيكلية وتدبير الطوارئ: كيف تُموَّل الكوارث دون الإخلال بالتوازنات؟
بخصوص عجز الميزانية، ينبغي التأكيد ابتداءً على أنه معطى بنيوي يرتبط بهيكل المالية العمومية وتوازناتها العامة، ولا يمكن اختزاله في تأثير ظرفي ناتج عن كارثة طبيعية معينة. فالعجز يُقاس ضمن إطار سنوي يأخذ بعين الاعتبار مستوى الموارد الجبائية، وحجم النفقات الاجتماعية والاستثمارية، وكلفة خدمة الدين، وهو ما يجعله نتيجة تفاعلات اقتصادية كلية، وليس انعكاساً مباشراً لحدث مناخي أو ظرف استثنائي محدود في الزمن. صحيح أن الكوارث الطبيعية تفرض نفقات إضافية غير مبرمجة، لكنها غالباً ما تُدبَّر عبر آليات احتياطية أو صناديق مخصصة لمواجهة الطوارئ، دون أن تؤدي بالضرورة إلى اختلالات عميقة في التوازنات المالية.
وفي هذا السياق، تم رصد غلاف مالي تقديري في حدود ثلاثة مليارات درهم لمواجهة آثار الفيضانات الأخيرة، وهو مبلغ يُوزَّع وفق مقاربة متعددة الأبعاد. جزء منه سيُخصص لدعم مباشر للأسر المتضررة، قصد تمكينها من مواجهة تكاليف العيش خلال المرحلة الراهنة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان وما يرافقه من ارتفاع نسبي في النفقات. وجزء آخر سيُوجَّه لإعادة ترميم وإعادة بناء المساكن المتضررة جزئياً أو كلياً، بما يضمن عودة الساكنة إلى ظروف سكن لائقة في أقرب الآجال. كما تم تخصيص اعتمادات لدعم الفلاحين المتضررين، سواء لإعادة تشكيل قطعانهم أو لاستئناف استغلال أراضيهم الزراعية، تفادياً لحدوث انقطاع طويل في الدورة الإنتاجية المحلية. تجدر الإشارة إلى أن المملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة تجربة معتبرة في تدبير الأزمات والكوارث، خاصة في أعقاب زلزال الحوز، حيث تم اعتماد مقاربة تقوم على السرعة في التدخل، والتدرج في إعادة الإعمار، وتوجيه الدعم بشكل مباشر ومنظم إلى المستفيدين. ومن المرجح أن يتم استلهام هذه التجربة في تدبير آثار الفيضانات الحالية، مع مراعاة خصوصية المناطق المتضررة وحجم الأضرار المسجلة. وبالرغم من أن التكلفة المالية لهذه العمليات ستظل مرتفعة نسبياً، فإنها لن ترقى إلى مستوى النفقات التي خُصصت لإعادة إعمار إقليم الحوز، نظراً لاختلاف حجم الخسائر وطبيعتها. كما أن المؤشرات المتاحة تفيد بأن هذه الاعتمادات يمكن تدبيرها ضمن الإمكانيات الذاتية للدولة، دون الحاجة إلى اللجوء إلى اقتراض استثنائي أو إطلاق صندوق وطني للتبرعات كما حدث خلال جائحة كوفيد-19 أو زلزال الحوز.
إن التدخلات المالية المرتبطة بالفيضانات لن تستدعي، في التقدير الحالي، اعتماد قانون مالية تعديلي، ولن تؤدي إلى تعطيل الأوراش الكبرى المبرمجة، سواء في مجال الاستثمار أو الإصلاحات الاجتماعية. فالمسألة تتعلق بإعادة ترتيب أولويات جزئية داخل الهوامش المتاحة، وتفعيل آليات التضامن والتعويض القائمة، بما يسمح بتجاوز المرحلة بأقل كلفة ممكنة على مستوى التوازنات الماكرو-اقتصادية، مع الحفاظ على دينامية الإصلاح والاستثمار التي تشكل ركيزة النمو في المرحلة المقبلة.
المقاولات الصغيرة في قلب العاصفة: من هشاشة الصدمة إلى رهانات الإقلاع الاقتصادي
إذا كان التركيز في الغالب ينصرف إلى الأسر المتضررة بشكل مباشر، فإن الفئة التي تتحمل عبئًا ثقيلًا وصامتًا في مثل هذه الكوارث هي المقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جدًا، خصوصًا في المناطق المتضررة. فهذه المقاولات لا تمتلك هوامش مالية كبيرة، ولا احتياطات نقدية تمكّنها من امتصاص الصدمات. وعندما يتوقف نشاطها فجأة بسبب الفيضانات أو تلف المعدات أو انقطاع الزبناء، فإنها لا تخسر فقط رقم معاملاتها، بل تجد نفسها أمام تراكم التزامات ثابتة، أقساط القروض، فواتير الماء والكهرباء، أجور العمال، واجبات الكراء والضرائب. ومع مرور أسابيع قليلة من التوقف، قد تتحول الصدمة المؤقتة إلى خطر حقيقي يهدد باندثار المقاولة نهائيًا، وما يعنيه ذلك من فقدان مناصب الشغل وتراجع النسيج الاقتصادي المحلي.
من هنا تبرز ضرورة تدخل عاجل وموجّه لتوفير آليات الإقلاع من جديد، وليس فقط تعويضًا ظرفيًا عن الخسائر. والتجربة المغربية خلال جائحة كوفيد-19 تقدم نموذجًا عمليًا يمكن البناء عليه. فقد اعتمدت الحكومة آنذاك حزمة من التدابير لفائدة المقاولات، خاصة في القطاعات الأكثر تضررًا كالسياحة والنقل والخدمات، شملت تعليق أداء بعض الضرائب والاشتراكات الاجتماعية، وتأجيل أقساط القروض، وإحداث آليات ضمان وتمويل مدعومة، إضافة إلى دعم مباشر لمقاولات معينة للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط. وقد انعكست هذه التدابير إيجابيًا، إذ تمكن قطاع السياحة مثلًا من التعافي بوتيرة سريعة نسبيًا، بل وتحقيق أرقام قياسية في عدد الوافدين والعائدات بعد انحسار الأزمة، ما يؤكد أن الدعم المؤقت والموجه يمكن أن يحافظ على رأس المال الإنتاجي ويمنع انهيار سلاسل القيمة المحلية.
وفي السياق الحالي، ينبغي التفكير في توسيع منظومة الدعم في المناطق المنكوبة لتشمل المقاولات الصغيرة جدًا والتعاونيات، خصوصًا العاملة في القطاع الزراعي وسلاسل التثمين المرتبطة به. فالأمر لا ينبغي أن يقتصر على دعم إعادة تشكيل القطيع لبعض التعاونيات الفلاحية، بل يتعداه إلى توفير خطوط تمويل ميسرة، وتأجيل استحقاقات القروض، وإعفاءات مؤقتة من بعض الرسوم المحلية، وربما إحداث آلية ضمان خاصة بالمناطق المتضررة تمكن هذه المقاولات من استعادة نشاطها دون الوقوع في دوامة المديونية. كما أن دعم استئناف النشاط يعني الحفاظ على مناصب الشغل القروية وشبه الحضرية، وتفادي موجات هجرة داخلية جديدة، وتعزيز التعافي الاقتصادي المحلي.
إن حماية النسيج المقاولاتي الصغير في مثل هذه الظروف ليست مجرد إجراء اجتماعي، بل هي خيار اقتصادي عقلاني، لأن تكلفة إفلاس مئات المقاولات الصغيرة — من حيث فقدان الشغل وتراجع الجبايات وتفكك سلاسل التوريد — تكون في الغالب أعلى بكثير من تكلفة دعمها مؤقتًا. ومن ثم، فإن المقاربة المتكاملة للتعافي ينبغي أن تجمع بين دعم الأسر، وإعادة تأهيل البنيات، وتمكين المقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جدًا من أدوات استعادة النشاط، حتى يتحول التعافي من استجابة ظرفية إلى إعادة إطلاق فعلية للدورة الاقتصادية في المناطق المتضررة.
التعمير في زمن التطرف المناخي: من منطق التوسع إلى هندسة المدن المقاومة للمخاطر
لقد أصبح ملف التعمير والسكنى اليوم أحد أكثر الملفات إلحاحاً في سياق التحولات المناخية المتسارعة التي يعرفها المغرب. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالتوسع العمراني أو الاستجابة للطلب المتزايد على السكن، بل أضحت مرتبطة مباشرة بأمن المواطنين وسلامة الممتلكات واستدامة الاستثمار. نحن أمام سياق مناخي مضطرب يُتوقع أن يجمع خلال السنوات المقبلة بين دورات جفاف حادة، وتساقطات مطرية غزيرة وعنيفة، وسيول جارفة، وانجراف للتربة، إضافة إلى مخاطر مرتبطة بارتفاع مستوى البحر والتعرية الساحلية، وربما حتى سيناريوهات استثنائية كالتسونامي بالنظر إلى التاريخ الزلزالي لسواحل الأطلسي. في ظل هذا الواقع، يصبح من غير المقبول أن تستمر وثائق التعمير بنفس الفلسفة التي سادت خلال العقود الماضية، وكأن المناخ عنصر ثابت لا يتغير.
لقد كشفت الفيضانات الأخيرة في مدن مثل القصر الكبير ومحيط آسفي عن اختلالات عمرانية واضحة، حيث سُمح بالبناء في مجالات قريبة من مجاري الأودية أو داخل أحواض طبيعية لتجميع المياه، وهي مناطق قد تبدو آمنة لسنوات خلال فترات الجفاف، لكنها تتحول عند أول تساقطات قوية إلى مسارات سيول مدمرة. هذه الظاهرة لا تقتصر على مدينتين أو ثلاث، بل تكاد تكون نمطاً متكرراً في عدة مدن مغربية. المشكل في جوهره ليس تقنياً فحسب، بل يرتبط أحياناً بمنطق المضاربة العقارية والسعي إلى تعظيم الربح على حساب الاعتبارات البيئية والمجالية، حيث يتم الضغط من أجل توسيع المجال العمراني في مناطق منخفضة أو قريبة من المجاري المائية. ومع توالي سنوات الجفاف، يتولد إحساس زائف بالأمان، فتُنسى الطبيعة الدورية والمتطرفة للمناخ في المنطقة. لكن عودة التساقطات القوية تكشف أن “الوادي الجاف” ليس مجالاً عمرانياً طبيعياً، بل جزء من منظومة هيدرولوجية تنتظر لحظة الامتلاء. لذلك فإن إدماج خرائط المخاطر الطبيعية ضمن وثائق التعمير يجب أن يتحول من إجراء شكلي إلى شرط إلزامي، يربط منح التراخيص بالبناء بدرجة القابلية للمخاطر.
أما على مستوى المدن الساحلية، فإن التحدي أكثر تعقيداً، بالنظر إلى طول الشريط الساحلي المغربي الذي يتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر على واجهتين بحريتين. فارتفاع مستوى البحر، وإن كان تدريجياً، قد يؤدي إلى تعرية متزايدة لبعض الشواطئ، وتهديد البنيات القريبة من الساحل. وهذا يفرض إعادة النظر في تصاميم تهيئة المدن المطلة على الأطلسي والمتوسط، عبر اعتماد مسافات ارتداد آمنة عن الساحل، وحماية المنشآت الحساسة، وتقوية البنيات المينائية، واستباق سيناريوهات المد البحري الشديد. كما يتطلب الأمر تطوير أنظمة إنذار مبكر وتحديث معايير البناء لتتلاءم مع المخاطر المحتملة.
إن التعمير في المغرب لم يعد مجرد أداة لتنظيم المجال، بل أصبح أداة مركزية في سياسة التكيف المناخي. الانتقال من منطق التوسع العمراني السريع إلى منطق التخطيط المقاوم للمخاطر بات ضرورة لا خياراً. فكل درهم يُستثمر في الوقاية والتخطيط السليم يوفر أضعافه في إعادة الإعمار، ويحمي أرواح المواطنين، ويعزز ثقة المستثمرين في استقرار المجال الحضري. وفي سياق مناخي يتسم بعدم اليقين والتطرف، يصبح الرهان الحقيقي هو بناء مدن قادرة على امتصاص الصدمات، لا مدن تنهار مع أول اختبار طبيعي جدي.
إن التحولات المناخية التي يعرفها المغرب لم تعد حدثاً استثنائياً يمكن احتواؤه عبر تدابير ظرفية، بل أضحت معطىً هيكلياً يفرض إعادة التفكير في النموذج التنموي برمته. فالتحدي لم يعد يقتصر على مواجهة آثار فيضان أو سنة جفاف، بل يتمثل في بناء منظومة اقتصادية ومجالية قادرة على التكيف مع مناخ يتسم بعدم اليقين والتقلب الحاد. وهذا يقتضي الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن سياسات قطاعية معزولة إلى رؤية مندمجة تربط بين الاقتصاد والمجال والبيئة.





