التسجيل من أجل التصويت: كيف حشر أوزين نفسه في خانة الحملة السابقة لأوانها؟

حسين العياشي
في خضمّ السجال المتصاعد حول “الحملة الانتخابية السابقة لأوانها”، وجد محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، نفسه هذه المرة في قلب النقاش، بعدما خرج بدعوات مباشرة موجّهة إلى المواطنين من أجل التسجيل في اللوائح الانتخابية “من أجل التصويت”. دعوة لم تمرّ مرور الكرام، وبدت لكثيرين أقرب إلى رسالة انتخابية مبكّرة منها إلى مجرد تذكير إداري محايد، خاصة في سياق سياسي مشحون تتسابق فيه الأحزاب، أغلبية ومعارضة، على حجز مواقع متقدمة قبل انتخابات 2026.
خطورة ما قام به أوزين لا تكمن فقط في مضمون الدعوة، بل في الصيغة التي قُدّمت بها، وفي التوقيت الذي جاءت فيه. فالدعوة إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية، حين تصدر عن مسؤول حزبي أول، وفي خطاب سياسي موجّه للعموم، لا يمكن عزلها عن هدفها النهائي: التصويت. وعندما يُستحضر فعل التصويت خارج أي سياق مؤسساتي محايد، فإننا نكون أمام أولى حلقات التعبئة الانتخابية، ولو تم تغليفها بلغة “المواطنة” و”المشاركة السياسية”.
قد يحاول أوزين ومن يدافع عنه الاحتماء بفراغ ظاهري في النصوص القانونية، بالقول إن القوانين المنظمة للانتخابات لا تتضمن تعريفًا صريحًا ومباشرًا لمفهوم “الحملة الانتخابية”. وهو قول صحيح شكليًا، لكنه مضلل سياسيًا. فالقانون، وإن لم يقدّم تعريفًا اصطلاحيًا جاهزًا، إلا أنه ضبط جوهر الحملة الانتخابية من خلال مقتضياتها، وحدّد معناها العملي لا اللغوي.
وبالقراءة المتأنية لهذه النصوص، يتضح أن الحملة الانتخابية، في فلسفتها القانونية، تعني مجموع الأنشطة التي يتم القيام بها بقصد التأثير في إرادة الناخبين، والدفع بهم نحو صناديق الاقتراع للتصويت على مرشحين أو لوائح محددة، خلال فترة زمنية مضبوطة تسبق يوم الاقتراع. والقانون حين يحدد آجال الحملة، ووسائلها، وضوابطها، والعقوبات المرتبطة بمخالفتها، فإنه لا يفعل ذلك عبثًا، بل لحماية مبدأ تكافؤ الفرص ومنع الاستغلال المبكر للنفوذ الحزبي والسياسي.
من هذا المنطلق، يصبح التذرّع بأن الدعوة إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية ليست حملة انتخابية مجرد تحايل لغوي، يتجاهل جوهر الفعل السياسي. فالتسجيل في اللوائح ليس غاية في حد ذاته، بل هو المدخل الإجباري للتصويت، أي الحلقة الأولى في السلسلة الانتخابية. وعندما يتولى زعيم حزب سياسي بنفسه الترويج لهذه الخطوة، خارج أي إطار مؤسساتي رسمي محايد، فإن الفعل يتحول من تحسيس مدني إلى تعبئة انتخابية مبكرة، حتى وإن لم يُذكر اسم الحزب أو المرشحين صراحة.
الأخطر في خطوة أوزين أنها تأتي في سياق عام تتزايد فيه مؤشرات السباق المبكر نحو 2026، حيث تحاول الأحزاب إعادة التموضع، وقياس المزاج الانتخابي، واستباق خصومها بخطابات وتحرّكات محسوبة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل دعوته عن استراتيجية حزبية تهدف إلى شدّ الانتباه، وبعث رسائل ضمنية للناخبين مفادها أن “الحركة الشعبية حاضرة” وأن معركة الصناديق قد بدأت، ولو من الباب الخلفي.
صحيح أن القانون لا يمنع العمل السياسي بين الاستحقاقات، لكن روح القانون، التي يُفترض أن يحترمها الفاعلون السياسيون قبل نصّه، تقوم على الفصل الواضح بين زمن التدبير وزمن التنافس. وما قام به أوزين يضرب هذا الفصل في العمق، ويزكّي منطق “الحملة الدائمة” التي تُفرغ المقتضيات القانونية من مضمونها، وتحول الضوابط الانتخابية إلى مجرد شكليات.
في النهاية، قد لا يُدان محمد أوزين قانونيًا على دعوته، لكنه سياسيًا وأخلاقيًا وضع نفسه في زاوية ضيقة يصعب الخروج منها. فهو إما أن يعترف بأن خطابه يندرج ضمن تعبئة انتخابية مبكرة، أو يصرّ على إنكار الواضح، في مشهد يعكس مرة أخرى أزمة الثقة في الممارسة الحزبية، حيث تُرتكب المخالفات باسم المشاركة، وتُدار الحملات الانتخابية تحت يافطة “التحسيس”، فيما يبقى المواطن مجرد هدف دائم لهذا السباق المبكر الذي لا يحترم الزمن الديمقراطي ولا ذكاء الناخبين.





