التمويلات المبتكرة: رهان مالي قد يهدد مستقبل الخدمات العمومية

حسين العياشي

في السنوات الست الأخيرة، نجح المغرب في تعبئة أكثر من 125 مليار درهم من خلال آلية مالية مبتكرة تعرف بـ”التمويلات المبتكرة”، وهي عبارة عن تحويل ملكية بعض الأصول الحكومية مثل المستشفيات والمقار الحكومية إلى مؤسسات عمومية أو مالية مقابل مبلغ فوري يدخل خزينة الدولة، ثم يتم استئجارها لفترات طويلة قبل أن تعود ملكيتها للدولة مجددًا. ورغم أن هذه الآلية حققت بعض النتائج المالية الإيجابية، إلا أنها تثير العديد من الأسئلة حول جدواها على المدى الطويل وآثارها على القطاع العام.

من الناحية المالية، لا يمكن إنكار أن التمويلات المبتكرة قد أسهمت بشكل كبير في توفير سيولة ضرورية للدولة، مما ساعد على تقليص الحاجة إلى الاقتراض وتخفيف الضغوط المالية. ولكن هذه الحلول قصيرة المدى قد تكون ذات آثار غير مرئية على المدى الطويل، خاصة إذا استمر الاعتماد عليها كآلية دائمة. في هذا السياق، تكمن المشكلة في أن هذه العمليات لا تقتصر على بيع أصول غير استراتيجية فحسب، بل تشمل أيضًا أصولًا حيوية مثل المستشفيات ومقار المؤسسات العامة، ما يثير مخاوف بشأن إمكانية تأثير ذلك على جودة الخدمات العمومية.

ورغم التأكيدات الحكومية، التي يؤكد فيها المسؤولون أن هذه الآلية لا تشكل خوصصة، بل هي “تثمين” للأصول من أجل إعادة توجيه قيمتها نحو مشاريع جديدة، إلا أن الواقع يظهر أن هذه العمليات قد تفتح المجال لتقليص دور الدولة في تقديم خدمات أساسية للمواطنين. فالمعارضة في البرلمان ترى أن اللجوء إلى بيع واستئجار الأصول الحيوية قد يشكل مقدمة لخصخصة غير مباشرة، وهو ما قد يؤثر على قدرة الدولة على التحكم في القطاعين الاجتماعي والخدمي.

هذه الآلية لا تقتصر على الآثار السياسية والاقتصادية فقط، بل هناك أيضًا انعكاسات على التصنيف الائتماني للمغرب. فقد حذرت وكالة “فيتش” من أن الاعتماد المتزايد على التمويلات المبتكرة قد يؤثر على مصداقية استراتيجية الضبط المالي، داعية إلى ضرورة تعزيز الموارد الذاتية المستدامة بدلاً من اللجوء إلى مثل هذه الحلول المؤقتة.

ومع ذلك، يعرب بعض الخبراء عن اعتقادهم بأن المغرب قد يتجه تدريجيًا نحو تقليص استخدام هذه الآلية في الفترة المقبلة، بين عامي 2025 و2027، نتيجة لتحسن الإيرادات الضريبية واستقرار النفقات. إلا أن هذه التصريحات قد تكون مجرد تطمينات في ظل استمرار ارتفاع الإنفاق العمومي، وخاصة في المشاريع المرتبطة بمونديال 2030، التي تتطلب استثمارات ضخمة، تقترب من تريليون درهم.

ورغم أن الإيرادات الضريبية شهدت تحسنًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة، حيث وصلت إلى 280 مليار درهم في الأشهر العشرة الأولى من العام، فإن التحسين في العوائد الضريبية وحده لا يكفي لضمان استدامة الاقتصاد المغربي دون التأثير على القطاعات الحيوية. فبيع الأصول الحكومية لا يمكن أن يكون بديلاً دائمًا للسياسات المالية الأكثر استدامة، بل قد يصبح عبئًا في المستقبل إذا استمر الاعتماد عليه.

من جهة أخرى، يعكس التوجه المستمر نحو “التمويلات المبتكرة” تباينًا في الرؤى داخل الحكومة نفسها، حيث يرى وزير الميزانية فوزي لقجع أن هذه الآلية ليست سوى أداة مؤقتة لتحريك قيمة الأصول القديمة لصالح مشاريع جديدة. إلا أن الفارق بين النظرية والتطبيق يبقى كبيرًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقطاعات الاجتماعية الحساسة التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. ففي حين قد تساعد هذه الآلية في تغطية نفقات فورية، فإنها قد تساهم في إضعاف قدرة الدولة على ضمان استدامة خدماتها على المدى البعيد.

من خلال هذا التحليل النقدي، يظهر أن المغرب أمام تحدٍ حقيقي في كيفية تحقيق التوازن بين استغلال الأصول العامة لتوفير السيولة وبين الحفاظ على استدامة القطاع العام وضمان تقديم الخدمات الأساسية. إن استمرارية هذه الآلية قد يؤدي إلى تقليص دور الدولة في قطاعات حيوية، مما يفرض ضرورة التفكير في بدائل أخرى أكثر استدامة وملاءمة لمتطلبات النمو الاقتصادي والاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى