التوزيع الانتقائي للعقوبات يفضح هشاشة القانون التأديبي للكاف

أميمة حدري: صحافية متدربة
خلفت قرارات لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم “كاف”، التي صدرت على خلفية الأحداث التي رافقت نهائي كأس إفريقيا بين المنتخبين الوطني والسنغالي، الذي احتضنه ملعب مولاي عبد الله بالرباط، سيلا من الانتقادات والجدل في الأوساط الرياضية والإعلامية وكذا الشارع المغربي.
في هذا السياق، اعتبر الحسين بكار السباعي، محلل سياسي واستراتيجي، أن ما صدر عن اللجنة يتجاوز كونه مجرد تطبيق تقني للنصوص القانونية، بل يعكس أبعادا سياسية ومؤسساتية تتقاطع فيها الرياضة مع موازين النفوذ داخل القارة الإفريقية.
وأكد السباعي في قراءة لهذه العقوبات، أن هذه الأخيرة التي طالت المنتخب الوطني والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تحمل في طياتها رسائل متعددة وتثير تساؤلات حول منطق الانتقائية وحدود مبدأ التناسب في تطبيق العقوبة الرياضية، ومدى حياد المؤسسة القارية المفترض.
وأشار إلى أن من المبادئ القانونية الأساسية حماية الحكام وضمان احترام قراراتهم، وصيانة صورة المنافسات الإفريقية من الانزلاقات السلوكية سواء من اللاعبين أو الجمهور، مضيفا أن الأخطار ارتبطت أحيانا بممارسات خارجة عن الإطار الرياضي، بما فيها ما وصفه بـ”الشعودة والطلاسيم”.
وأوضح المتحدث أن الإشكال الجوهري يكمن في فلسفة العقاب وطريقة توزيع المسؤوليات، لافتا إلى أن المقارنة بين حجم العقوبات الموجهة للمنتخب الوطني وطبيعة الأفعال المنسوبة إلى كل طرف، تكشف عن نزوع واضح لتطبيق منطق “التوازن السياسي” أكثر من العدالة التأديبية الصرفة، وكأن الهدف كان إغلاق الملف بأقل كلفة مؤسساتية وليس إحقاق الحق أو ترسيخ اجتهاد قانوني مستقر.
وأضاف السباعي أن العقوبات المفروضة على المنتخب المغربي تبدو في جوهرها عالية الحمولة، حيث استهدفت لاعبين ذوي قيمة رياضية عالمية، وغرمت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بسبب تصرفات ارتكبها بعض المسؤولين أو اقتحام مناطق تقنية أثناء المباراة النهائية، في موقف يعكس توسيع دائرة المسؤولية بشكل وصفه بـ “الفضفاض” يتجاوز حدود تفسير القاعدة الرياضية الزجرية.
كما نبه إلى أن رفض طعن الجامعة دون تعليل مفصل يعمق الإحساس بأن آليات الطعن داخل الكاف تفتقد للاستقلالية، وتعمل وفق منطق الغرف المغلقة وليس وفق أسس القضاء الرياضي الحديث القائم على التعليل والشفافية وقابلية القرار للنقاش العام، ما يحول القانون التأديبي إلى أداة لضبط التوازنات داخل الاتحاد أكثر من كونه ضماناً للنزاهة والعدالة.
وأوضح السباعي أن هذه القرارات لا يمكن فصلها عن المكانة المتقدمة التي بات يحتلها المغرب في المنظومة الإفريقية على الصعيد الرياضي والاقتصادي والدبلوماسي، حيث أن نجاح المملكة في تنظيم البطولة وتأكيد نفسها كقوة كروية صاعدة خلق حساسيات داخل دوائر القرار القاري، وتحولت النصوص القانونية أحياناً إلى وسيلة لإعادة توزيع الرسائل السياسية وإرسال إشارات حول حدود القوة الرياضية والهيمنة القارية.
وخلص المحلل ذاته إلى أن ما حدث في نهائي الرباط يؤكد أن مراجعة قانون كأس أمم إفريقيا والإطار القانوني والتنظيمي للكاف لم يعد خيارا، بل ضرورة بنيوية، مع التركيز على قانون تأديبي واضح يحدد المسؤوليات بدقة ويضمن حق الدفاع والطعن الفعال بعيدا عن الحسابات السياسية، وأن المغرب مدعو للانتقال من موقع المتلقي إلى مساهم فاعل في صياغة قواعد اللعبة داخل المنظومة القارية. معتبرا أن هذه العقوبات تعكس أعطاب الحوكمة الرياضية داخل الاتحاد الإفريقي، وتشكل اختبارا لنضج الفاعلين وقدرتهم على تحويل لحظة الجدل إلى رافعة لإصلاح عميق يضمن عدالة تأديبية حقيقية لكرة القدم الإفريقية.





