الحصيلة (21): الخميسات خارج التغطية البرلمانية.. و”البويرماني” حاضر فقط للتنويه

حسين العياشي

في الخميسات، حيث تتراكم الأسئلة اليومية بلا أجوبة، اختار النائب البرلماني عبد السلام البويرماني أن يقدّم نموذجًا مختلفًا في التمثيل السياسي. أربع سنوات كاملة من عمر الولاية التشريعية، ولا سؤال شفوي واحد موجّه باسم الإقليم، كأن الخميسات خارج الخريطة، أو كأن مشاكلها حُلّت دفعة واحدة ولم يعد لها ما يُسأل عنه. لا عطش، لا بطالة، لا طرق مهترئة، لا شباب تائه، ولا مستشفى يئن.. كل شيء على ما يرام، على الأقل داخل رأس نائبها تحت القبة.

البويرماني لا يظهر كثيرًا، لا يحب الضجيج، ولا يغامر بالأسئلة، فالسؤال قد يفتح بابًا، والباب قد يقود إلى مساءلة، والمساءلة.. ضجيج لا لزوم له. لذلك يفضّل الرجل الظهور في صيغة “التعقيب”، تلك المساحة الآمنة التي لا تُحرج أحدًا، ولا تُغضب الحكومة، بل تُستعمل غالبًا إما للدفاع عنها بحكم الانتماء إلى الحزب الذي يقودها، أو للتنويه بمنجزات لا يراها المواطن، لكنها تُرى بوضوح من مقاعد الأغلبية.

نائب لا يسأل، لكنه يعلّق. لا يزعج، لكنه يصفّق. لا يُطالب، لكنه يطمئن. سياسة بأقل مجهود ممكن، وأقصى درجات السلامة. فالأضواء، كما يبدو، تجلب المشاكل، والبويرماني اختار منذ البداية أن يكون “نائب الظل”، حاضرًا في اللائحة، غائبًا في الأثر.

ورغم هذا الحضور الخافت، كلّفت هذه العضوية دافعي الضرائب ما يقارب 150 مليون سنتيم، رقم قد يبدو متواضعًا مقارنة ببعض الحالات، لكنه يصبح ثقيلًا حين نضعه مقابل حصيلة بنكهة الصفر في الدفاع عن إقليم طاله الإهمال. 150 مليون سنتيم مقابل صمت أنيق، وتعقيبات مريحة، وولاء سياسي مضمون.

المفارقة أن الخميسات لا تعاني من فائض في التمثيل، بل من خصاص صارخ في من يرفع الصوت باسمها. ومع ذلك، تجد نفسها ممثَّلة بنائب اختار أن يكون جزءًا من المشهد الحكومي أكثر من كونه صوتًا لمن صوّتوا عليه. نائب يرى في البرلمان فضاءً للانضباط الحزبي لا للمساءلة، وللانسجام السياسي لا للاحتكاك بالواقع.

لكن القصة لا تتوقف عند عبد السلام البويرماني وحده. فالمسؤولية، مرة أخرى، موزعة بالتساوي. مسؤولية ناخب يضع صوته ثم يغلق فمه خمس سنوات. ومسؤولية مقاطع يراقب المشهد من بعيد ويعتقد أن الصمت موقف، بينما صمته يُترجم إلى شيك مفتوح باسم المال العام. ومسؤولية مناخ سياسي يسمح لنائب بأن يمرّ نصف الولاية دون أن يسأل سؤالًا واحدًا عن دائرته، دون أن يهتز له كرسي أو يُحرج في نقاش عمومي.

عبد السلام البويرماني ليس استثناءً، بل نسخة أخرى من نموذج يتقن فن البقاء بلا ضجيج، والتمثيل بلا مواجهة، والسياسة بلا تكلفة شخصية. نائب يراهن على أن الهدوء طريق آمن لإعادة الترشح، وأن الذاكرة الانتخابية قصيرة، وأن الصمت.. لا يُحاسَب.

في هذه السلسلة، لا نرفع الصوت عبثًا، ولا نستهدف الأشخاص لذاتهم. نكتفي فقط بكشف الفجوة بين ما يُدفع من المال العام، وما يُسترجع من تمثيل فعلي. نضع الأرقام أمام الأسماء، ونترك الحقيقة تقوم بالباقي.

وغدًا، اسم آخر، إقليم آخر، وصمت جديد.. ممول من جيوب الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى