الحصيلة (25): “محمد بنعطية” بين تكديس المناصب والتنصل من الواجبات

حسين العياشي
هذه ليست مجرد حلقة عابرة في سجل الحصيلة البرلمانية، بل فصل طويل من رواية “البقاء دون أثر”، حيث يُمارَس التمثيل السياسي بلا كلفة، وتُمارَس السلطة بلا مساءلة، ويُمنح الزمن بسخاء لمن لا يعيده شيئًا.
في سلا الجديدة، لا يحتاج المواطن إلى ذاكرة قوية ولا إلى بحث أرشيفي مضنٍ ليعرف اسم نائبه البرلماني. محمد بنعطية موجود منذ 2002، إلى درجة أن اسمه صار أقرب إلى معطى جغرافي منه إلى فاعل سياسي. كأنه جبل لا يتحرك، أو تمثال وُضع في ساحة البرلمان منذ عقود، يراه الجميع، يلتفّون حوله، لكن لا أحد يتذكر متى أحدث تغييرًا في الاتجاه.
أربعٌ وعشرون (24) سنة كاملة تحت قبة البرلمان، كلّفت المال العام، إلى حدود كتابة هذا المقال، ما يفوق مليار سنتيم من جيوب دافعي الضرائب. رقم ثقيل لا يُقرأ كإحصاء مالي عابر، بل كفاتورة سياسية كاملة، كان يمكن أن تُترجم إلى مدارس في أحياء مهمّشة، أو تجهيزات لمستشفيات تختنق بالنقص، أو فرص شغل تحفظ كرامة شباب يُدفع اليوم نحو الهامش. لكن هذه الملايين اختارت طريقًا آخر، لتُسكب في رصيد نائب برلماني حضر بجسده وغاب بأدائه، وداوم على المقعد أكثر مما داوم على الفعل.
وعندما نفتح دفتر الحصيلة، لا نجد ما يوازي هذا العمر التشريعي الطويل ولا هذه الكلفة الباهظة. ثمانية (8) أسئلة شفوية فقط خلال ولايتين كاملتين. ثمانية أسئلة في ما يقارب عشر سنوات، أي سؤال يتيم كل ستة أشهر، وكأن الرقابة البرلمانية عند محمد بنعطية نشاط موسمي، يُستدعى عند الضرورة القصوى ثم يُركن جانبًا احترامًا لمنطق الصمت وراحة المقعد. هنا لا يصبح السؤال عن ضعف الأداء مشروعًا فقط، بل عن معنى البقاء نفسه، حين يتحول الزمن السياسي إلى فراغ مدفوع الثمن.
هذا الصمت ليس زلة لسان ولا عطبًا ظرفيًا، بل أسلوب حياة سياسية؛ نائب برلماني ورئيس مقاطعة احصين في آن واحد، يجيد الجمع بين المناصب، لكنه لا يجيد الجمع بين المسؤولية والمساءلة. في التدبير المحلي، حاضر، وفي المناسبات، حاضر، وفي توزيع النفوذ، حاضر. أما في البرلمان، حيث يُفترض أن يُقلق الوزراء، فحضوره أقرب إلى وضعية “عدم الإزعاج” الموجودة على هواتفنا المحمولة.
البرلمان هنا لم يعد ساحة اشتباك سياسي، بل قاعة انتظار فاخرة، يُضاف اسمها إلى السيرة الذاتية، دون أن تُضاف الأسئلة إلى سجل الرقابة.
غير أن المفارقة الكبرى أن هذا الصمت البرلماني المطبق لا ينسحب على الملفات المحلية التي ارتبط بها اسم بنعطية. هناك، يتحول الهدوء إلى ضجيج، والصمت إلى جدل، والتمثيل إلى شبهة.
في قضية المحافظ المدرسية، لم يكن الأمر مجرد سوء تدبير، بل عرضًا حيًا لفلسفة “الوزيعة”. 500 محفظة مدرسية من ميزانية المقاطعة، انتهت في حوزة الرئيس، في وقت كان يُفترض أن تصل إلى أطفال الأسر المهمشة. المحافظ لم تعد وسيلة لمحاربة الهدر المدرسي، بل صارت عملة انتخابية صالحة للتداول. 80 محفظة لأعضاء المكتب، 30 للمستشارين، والباقي حيث يوجد المركز الحقيقي للقرار. توزيع لا يخضع لمنطق الحاجة، بل لمنطق القرب من الشمس.
والأكثر سخرية أن هذا السلوك يصدر عن منتخب يُقدَّم كأحد أثرياء المدينة؛ رجل قادر، نظريًا، على تمويل آلاف المحافظ من ماله الخاص، لكنه يفضّل أن يفعل الخير من جيب الجماعة، وأن يمارس “الكرم” بالمال العام. هنا لا نتحدث عن خطأ إداري، بل عن عقلية ترى في الميزانية العمومية امتدادًا شخصيًا للنفوذ.
ثم نصل إلى “أكدال 2″، حيث تتحول السخرية إلى مأساة؛ مشروع سكني متوقف منذ 2010، أي منذ ما يقارب خمسة عشر عامًا، وأسر ما تزال تؤدي ثمن الانتظار من أعمارها وأجور كراءها وأعصابها. مقاول مفلس، ووعود مؤجلة، واحتجاجات تُواجَه بالتجاهل أو التضييق.
وفي قلب هذا المشهد، نائب برلماني ورئيس مقاطعة، يعرف الملف، ويعرف معاناة الضحايا، ويعرف أن المشروع يقع ضمن نفوذه الترابي.. لكنه يختار الوقوف في المنطقة الرمادية، حيث لا مسؤولية كاملة ولا تدخل حاسم.
الصمت هنا ليس حيادًا، بل موقفًا. موقف مريح، لا يكلّف شيئًا، ولا يُغضب أحدًا ممن في الأعلى، لكن يدفع ثمنه المواطن في الأسفل بالخصوص.
ثمانية أسئلة شفوية في عقد من الزمن، مقابل فضائح محلية، وأزمات اجتماعية، وملفات عالقة، تجعل السؤال الحقيقي لا يُوجَّه إلى بنعطية وحده، بل إلى المنظومة التي تسمح لنائب بأن يعمّر ربع قرن في البرلمان دون أن يُسأل: ماذا فعلت بكل هذا الوقت؟
في سلا الجديدة، يبدو أن الزمن السياسي توقف عند اسماء محسوبة على رؤوس أصابع اليد، بينما المدينة تغيّرت، والمشاكل تضاعفت، والانتظارات ارتفعت. أربعة وعشرون عامًا من العضوية البرلمانية لم تُنتج وزنًا رقابيًا، لكنها رسّخت قناعة خطيرة: بعض المقاعد لا تُشغل، بل تُحتل.. وتُدار بمنطق “دعها تمر”.
هذه الحلقة لا تحاكم النوايا، بل تضع الأرقام أمام الزمن. والزمن، حين يُقاس بالحصيلة، يكون قاسيًا، فاضحًا، ولا يجامل أحدًا.
وغدًا، قد يتغير الاسم، أو لا يتغير، لكن السؤال سيظل يلاحق الجميع بلا رحمة: ماذا قدّمتم فعلًا، ومقابل ماذا استهلكتم هذا العمر السياسي الطويل؟





