الحصيلة (29): عماد الدين الريفي.. أسئلة متأخرة وتمثيل يثير أكثر من سؤال

حسين العياشي
في سلا، لا تأتي المفارقات دفعة واحدة، بل تتسلل بهدوء.. تمامًا كما يفعل بعض النواب؛ ضيف حلقة اليوم لا يمكن تصنيفه ضمن “الأشباح البرلمانية” الخالصة، ولا يمكن في المقابل إدراجه ضمن فئة النواب المزعجين للحكومة. إنه حالة وسطى، رمادية، كثيرة الحركة رقميًا، قليلة الأثر سياسيًا. نتحدث هنا عن النائب البرلماني عماد الدين الريفي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، ورئيس مقاطعة بطانة.
أربع سنوات من عمر الولاية التشريعية مرت، ودفتر حصيلته يقول: 55 سؤالًا شفويًا. رقم، في الظاهر، يبدو مريحًا، بل وقد يُستعمل للدفاع عن “نشاط برلماني محترم”. لكن السياسة، كما الحساب، لا تُقاس بالكم وحده، بل بالتوزيع، والسياق، والنتيجة.
وعند تفكيك الرقم، تبدأ القصة في فقدان توازنها؛ سبعة أسئلة فقط موزعة بين سنتي 2023 و2024، أي في منتصف الولاية، حين يُفترض أن يكون النائب في ذروة انسجامه مع أدوات الرقابة، ثم فجأة.. انفجار أسئلة في سنة 2025، حيث تم طرح كل الباقي دفعة واحدة، وكأن الذاكرة البرلمانية استيقظت متأخرة، أو كأن العدّاد كان متوقفًا ثم عاد للاشتغال بسرعة قصوى لتعويض الوقت الضائع.
هنا لن نقول: كم طرح الريفي من الأسئلة؟ بل: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الكثافة؟
هل هي صحوة ضمير برلماني؟ أم اقتراب نهاية الولاية؟ أم مجرد محاولة لترتيب الأرقام قبل إغلاق القوس؟
الأكثر دلالة من عدد الأسئلة، هو مآلها؛ من أصل 55 سؤالًا شفويًا، لم تتفاعل الحكومة، التي يمثل الريفي جزءًا من أغلبيتها البرلمانية، إلا مع سؤالين فقط. سؤالان لا غير. والبقية؟ بقيت حبيسة الرفوف، أو الأجندات، أو ربما “سوء التوقيت السياسي”. وهنا تتبخر حجة الكم، لأن السؤال الذي لا يُحرّك الحكومة، لا يُربكها، ولا يفرض جوابًا، يتحول إلى تمرين شكلي أكثر منه أداة رقابة.
الريفـي، المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، يوجد نظريًا داخل الأغلبية الحكومية، وهو وضع يمنح هامشًا أوسع للتأثير، لا للتواطؤ الصامت. غير أن التجربة تُظهر أن هذا القرب لم يُترجم إلى قدرة على فرض التفاعل، ولا إلى أسئلة نوعية تُحرج الوزراء وتجبرهم على الرد. الأسئلة وُجدت، نعم، لكن أثرها بقي محدودًا، شبه معلق في الهواء.
وإذا أضفنا إلى ذلك الجمع بين العضوية البرلمانية ورئاسة مقاطعة بطانة، تتضح معادلة مألوفة؛ حضور تنفيذي محلي قوي، مقابل أداء تشريعي يتذبذب حسب الإيقاع السياسي، لا حسب حاجيات الساكنة. بطانة، التي تعاني بدورها من إكراهات عمرانية واجتماعية مزمنة، لا يظهر صداها بقوة تحت قبة البرلمان، إلا في لحظات متقطعة، وكأن التمثيل يُدار بنظام “الحد الأدنى المقبول”.
كل هذا مقابل كلفة تقارب 150 مليون سنتيم من المال العام. رقم ليس فلكيًا مقارنة ببعض “أساطير الصمت”، لكنه يظل كبيرًا حين نضعه مقابل سؤالين فقط حظيا برد حكومي، وأثر رقابي محدود.
عماد الدين الريفي ليس أسوأ نموذج في هذه السلسلة، لكنه أيضًا ليس النموذج الذي يُطمئن. هو نائب يطرح الأسئلة، نعم، لكنه يطرحها متأخرًا، وبكثافة تثير التساؤل، دون أن تنجح في فرض نفسها على جدول أولويات الحكومة. نائب يتحرك داخل الهامش، دون أن يحاول توسيعه.
وفي النهاية، هذه الحلقة لا تتهم، ولا تُبرئ. هي فقط تضع الأرقام في سياقها، وتكشف أن النشاط البرلماني ليس سباقًا في عدد الأسئلة، بل معركة في جودة السؤال، توقيته، وقدرته على إزعاج السلطة.
وغدًا، اسم آخر..
وأرقام جديدة..
ومحيط سياسي لا يزال يتسع للحيتان، ويضيق على المساءلة.





