الحصيلة (33): “عبدلاوي معن” حين يكفي القاسم الانتخابي لصناعة نائب.. ولا يكفي لخلق مواقف

حسين العياشي

في فاس، المدينة العريقة التي تعبت من كثرة الوجوه وقلة الأصوات، نصل اليوم إلى نموذج آخر من نماذج تمثيل “خفيف الوزن”، نائب حضر إلى البرلمان كما يحضر ضيف عابر إلى مأدبة لا يمد يده إلى الطعام ولا يفتح فمه بالكلام، ثم يغادر وهو يحمل فاتورة كاملة على حساب دافعي الضرائب. إنه النائب البرلماني “رءوف عبدلاوي معن” عن حزب جبهة القوى الديمقراطية، صاحب واحدة من أكثر الحصائل برودة في هذه الولاية التشريعية.

الرجل، خلال سنوات وجوده تحت القبة، لم يطرح سوى سؤالين شفويين فقط، واحد في سنة 2022، وآخر في سنة 2024. سؤال كل عامين تقريباً.. وكأن فاس تعيش على إيقاع الزلازل الموسمية لا على مشاكل يومية متراكمة. مدينة تختنق بالبطالة، وتتألم من تراجع الخدمات، وتصارع العشوائية في النقل والسكن والبنية التحتية، لكنها ممثَّلة بسؤالين، لا أكثر، في أربع سنوات. تمثيل أقرب إلى بطاقة بريدية تُرسل مرة في حين، لا إلى حضور دائم في قلب المعركة السياسية.

قد يقول قائل إن نواب الأحزاب الصغرى يعانون من ضعف “كوطا” الزمن داخل الجلسات مقارنة بأحزاب الأغلبية، وهذا صحيح من حيث الشكل، لكنه حجة مهترئة لا تصمد أمام الواقع. لأننا رأينا، في نفس القبة ونفس التوقيت ونفس القيود، نائبات ونواباً من خارج الأغلبية يحولون دقائقهم القليلة إلى عشرات بل مئات الأسئلة، يقتنصون الفرص كما يقتنص العدّاء أنفاسه في سباق طويل، ويتركون بصمتهم في الجلسات والمحطات الساخنة. الفرق ليس في الساعة، بل في الإرادة. ليس في الميكروفون، بل في الرغبة في الترافع على مصالح من وضعوا فيهم الثقة عن طريق صناديق الاقتراع.

هنا يصبح المشهد أشبه بلاعب احتياطي يجلس طيلة المباراة على دكة البدلاء، ثم يحتج بعد صافرة النهاية لأنه لم يسجل أهدافاً. الفرصة كانت موجودة، والملعب مفتوح، لكن الحذاء ظل نظيفاً لأن صاحبه لم يركض أصلاً.

مدونة الانتخابات والتقسيم الانتخابي فتحا فعلاً أبواباً كانت موصدة أمام الأحزاب الصغرى، ومنحها فرصة نادرة لاقتحام البرلمان وتمثيل أصوات لا تجد مكانها عادة في حسابات الكبار. لكن بعض من دخلوا من هذا الباب تعاملوا مع المقعد وكأنه غرفة انتظار مريحة، لا منصة نضال ولا موقع مساءلة. فرصة العمر تحولت إلى إقامة مؤقتة بلا أثر، وكأن الهدف لم يكن إزعاج الحكومة ولا الدفاع عن المدينة، بل فقط تثبيت الاسم في لائحة “النواب السابقين”.

والكلفة؟ لم تكن بدورها صامتة؛ فهذه العضوية “الهادئة جداً” كلّفت ما يتجاوز 150 مليون سنتيم إلى حدود الآن. رقم ليس صغيراً في مدينة تعرف كيف تحصي الدراهم عندما يتعلق الأمر بتذاكر الحافلات، أو فواتير الماء والكهرباء، أو مصاريف التمدرس. مئة وخمسون مليوناً مقابل سؤالين.. أي أن كل سؤال كلف ما يكفي لترميم مدرسة، أو تجهيز مستوصف، أو إصلاح شارع نسيه المسؤولون.

في هذه الحالة، لا يعود الصمت فضيلة، بل يتحول إلى ترف سياسي مدفوع الثمن؛ صمت لا يشبه صمت الحكماء، بل صمت من دخل القاعة وقرر أن يكون جزءاً من الديكور، حاضر في الصورة الجماعية، غائب في المضمون.

والمؤلم أكثر أن هذا النوع من الحصيلة لا يضر فقط بصورة النائب، بل يسيء أيضاً إلى فكرة تمثيل الأحزاب الصغرى نفسها. لأنه بدل أن يقدم نموذجاً يُقنع المواطن بأن التعددية يمكن أن تُثمر أصواتاً قوية ومواقف جريئة، يتحول إلى حجة مجانية بيد من يقولون: “أرأيتم؟ هذه المقاعد تذهب هدراً”.

فاس، مرة أخرى، تجد نفسها أمام سؤال أكبر من سؤالين شفويين:
هل مشكلتها في الأحزاب؟ أم في نخبنا، الذين لا يعرفون كيف يحولون الفرصة إلى معركة، والمقعد إلى منبر، والتمثيل إلى مسؤولية ثقيلة لا إلى لقب يُعلّق على الصدر؟

مدينة بتاريخ فاس لا تحتاج إلى نواب يتعاملون مع البرلمان كما يتعامل السائح مع فندق؛ يدخل، يقيم قليلاً، يلتقط الصور، ثم يغادر دون أن يترك أثراً يُذكر. فاس تحتاج إلى من يعتبر كل دقيقة داخل الجلسة معركة صغيرة، وكل سؤال معركة أكبر، وكل صمت خسارة لا يمكن تعويضها.

أما أن تُختصر كل هذه الهموم في سؤالين يتيمين، فذلك لا يشبه التمثيل السياسي بقدر ما يشبه إرسال إشعار حضور فقط.. دون أي محتوى.

يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى