الحصيلة (35): نائبة واحدة تُحرج حزبًا كاملًا.. ريم شباط تتفوّق على نواب الأحرار مجتمعين

حسين العياشي
في فاس، المدينة التي اعتادت أن تكون في قلب السياسة لا في هامشها، يبدو أن التمثيل البرلماني أصبح يدار بمنطق “الحد الأدنى المضمون”، لا بمنطق الدفاع عن مدينة مثقلة بالاختناقات الاجتماعية والاقتصادية. ففي صفوف حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة ويملك مفاتيح القرار، يقدّم نائبا فاس نموذجًا لتمثيل هادئ إلى حدّ الصمت، ومريح إلى درجة الاطمئنان.
التهامي الوزاني، أحد نائبي الحزب عن العاصمة العلمية، اكتفى خلال هذه الولاية التشريعية بـ37 سؤالًا شفويًا فقط، رقم قد يبدو في الظاهر مقبولًا في مشهد اعتاد على الأرقام الصفرية، لكنه يصبح هزيلًا حين يوضع في ميزان مدينة بحجم فاس، وحين يُقارن بحجم الانتظارات المعلقة على حزب يقود الحكومة ويملك نفوذًا تشريعيًا وتنفيذيًا في آن واحد.
إلى جانبه، تقف زينة شهيم، النائبة التي لم يتجاوز رصيدها 16 سؤالًا شفويًا طيلة الولاية الحالية، أي بمعدل سؤال كل عدة أشهر، وكأن فاس تعيش في رفاه اجتماعي لا يحتاج إلى مساءلة، ولا إلى مساءلة مستعجلة، ولا حتى إلى مساءلة عابرة.
لكن المفارقة الكبرى لا تكمن في ضعف الحصيلة فقط، بل في ما تلاها. فزينة شهيم لم تُكافأ على اجتهاد تشريعي ولا على حضور رقابي لافت، بل جرى تنصيبها على رأس واحدة من أخطر وأهم اللجان الدائمة بمجلس النواب: لجنة المالية، التي تمر عبرها قوانين الميزانية، والضرائب، والديون، والاختيارات الاقتصادية الكبرى للدولة. لجنة تصنع السياسات لا تكتفي بمناقشتها.
وهنا يصبح السؤال محرجًا: بأي منطق تُسند رئاسة لجنة مالية لنائبة لا تتوفر على تجربة اقتصادية معروفة، ولا على مسار رقابي كثيف، في حين أن تخصصها المهني هو المحاماة، لا المالية العمومية ولا السياسات الميزانياتية؟ هل نحن أمام ترقية سياسية أم أمام توزيع داخلي للمناصب بمنطق الولاء الحزبي لا بمنطق الكفاءة والإنجاز؟
زينة شهيم جاءت خلفًا لزميلها محمد شوكي، الذي انتقل إلى رئاسة الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار، بعد أن كان بدوره على رأس لجنة المالية في وضعية وُصفت حينها بتضارب المصالح، قبل أن يتم تدارك الأمر وإبعاده عن رئاستها. والنتيجة اليوم: لجنة سيادية تُدار بمنطق التدوير الحزبي، لا بمنطق الاستحقاق البرلماني.
وحين نعود إلى فاس، تصبح الصورة أكثر إحراجًا. فبينما يكتفي نائبا الحزب الذي يقود الحكومة بـ53 سؤالًا شفويًا مجموعين، نجد نائبة واحدة من المعارضة، هي ريم شباط، تتجاوز هذا الرقم لوحدها بـ95 سؤالًا شفويًا، رغم ضيق الحيز الزمني المخصص لفريقها، ورغم محدودية الإمكانيات التي تملكها مقارنة بحزب يقود الأغلبية ويتحكم في مفاصل القرار.
المفارقة هنا ليست رقمية فقط، بل سياسية بامتياز. لأنها تطرح سؤالًا بسيطًا ومربكًا في الآن نفسه: كيف يعقل أن يكون تمثيل مدينة بحجم فاس أكثر حيوية في مقاعد المعارضة منه في صفوف الحزب الذي يترأس الحكومة؟
الأدهى من ذلك أن هذا الصمت البرلماني لا يبدو عائقًا أمام الترقية داخل الحزب، بل قد يكون في بعض الأحيان جواز عبور نحو مواقع أكثر حساسية. وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: لا تكثروا من الإزعاج، وستجدون أبواب المسؤولية مفتوحة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بأشخاص فقط، بل بنموذج تمثيل كامل: نموذج يختزل دور النائب في الحضور الشكلي، ويحوّل العمل الرقابي إلى تفصيل ثانوي، بينما تُدار المناصب الكبرى بمنطق التوازنات الداخلية لا بمنطق الدفاع عن مصالح المواطنين.
وفاس، التي أنجبت عبر تاريخها السياسي أسماء صنعت المعارضة وصاغت الخطاب الوطني، تجد نفسها اليوم ممثلة بأرقام لا تليق بثقلها، وبنواب لا يزعجون الحكومة إلا نادرًا، رغم أن الحكومة نفسها تحمل لونهم الحزبي.
ويبقى السؤال، مرة أخرى، موجّهًا ليس فقط إلى النواب، بل إلى من منحهم صوته: هل هذا هو التمثيل الذي تستحقه فاس؟ أم أن المدينة تُدار اليوم بمنطق “المقعد الآمن” أكثر مما تُدار بمنطق المساءلة الصارمة؟
في هذه السلسلة، لا نبحث عن الإثارة المجانية، بل عن وضع المرآة أمام الأرقام، لأن الأرقام لا تجامل، ولا تصفق، ولا تدخل في التحالفات… لكنها تقول الحقيقة كما هي، بلا مساحيق سياسية.
وغدًا، اسم آخر… وحصيلة جديدة تحت المجهر.





