الحصيلة (36): محمد العربي أحنين.. كيف يصنع الناخب التطواني برلمانيًا بلا حصيلة؟

حسين العياشي

بين فاس وتطوان يتبدّل المكان، لكن القاعدة تكاد لا تتغير: مقاعد برلمانية محجوزة، وحصيلة تمثيلية تتآكل حتى تلامس الصفر. وفي مدينة تمثل بخمسة نواب دفعة واحدة، يبدأ التفكيك من أكثرهم ثباتًا في المقعد، وأقلهم حضورًا في وظيفة المساءلة: محمد العربي أحنين، النائب البرلماني ورئيس جماعة أزلا بإقليم تطوان، الذي اختار أن يكون حاضرًا في الهياكل.. غائبًا في الأدوار.

قضى الرجل ثلاث ولايات تشريعية متتالية تحت قبة البرلمان. دخل الأولى بقبعة حزب التقدم والاشتراكية، ثم انتقل في الثانية والثالثة إلى حزب الأصالة والمعاصرة. تبدّلت الانتماءات وتغيّرت الشعارات، بينما ظل المقعد ثابتًا، ومعه الامتيازات والتعويضات، في مقابل صمت سياسي لافت..

في الولاية التشريعية الحالية، التي انقضت منها أربع سنوات كاملة، لم يُسجَّل له أي سؤال شفوي. صفر مطلق، بلا صحوة ضمير متأخرة ولا حركية في اللحظات الأخيرة، وكأن الزمن البرلماني مرّ من دون أن يترك أثرًا. حصيلة توحي بأن المقعد تحوّل إلى عنوان إداري أكثر منه موقعًا تمثيليًا.

أما في الولاية السابقة، فقد ارتفع العداد إلى 38 سؤالًا شفويًا على امتداد خمس سنوات، أي بمعدل لا يبلغ حتى سؤالًا واحدًا في الشهر. رقم يصعب الدفاع عنه في مدينة بحجم تطوان، أو في جماعة تعرف اختلالات عمرانية وتنموية مزمنة، فكيف حين يصدر عن نائب راكم أكثر من عقد من التجربة البرلمانية؟

المفارقة أن بدايات الرجل كانت مختلفة. ففي ولايته الأولى، حين كان في صفوف المعارضة، تجاوز عدد أسئلته المائة. كان الصوت حاضرًا، والنبرة أعلى، قبل أن يكتشف لاحقًا أن الصمت أقل تكلفة، وأكثر انسجامًا مع منطق الأغلبية. كأن الانتقال من ضفة المعارضة إلى دائرة السلطة لا يغيّر التموضع السياسي فقط، بل يطفئ أيضًا الرغبة في المساءلة.

وخلال ما يقارب أربعة عشر عامًا من العضوية البرلمانية، كلّف هذا الحضور المؤسساتي دافعي الضرائب ما يناهز 672 مليون سنتيم. مبلغ كان يمكن أن يتحول إلى تجهيزات مدرسية، أو إصلاح طرق قروية، أو دعم مشاريع اجتماعية، لكنه صُرف من جيوب دافعي الضرائب مقابل تمثيل يطرح سؤالًا بسيطًا ومحرجًا في آن واحد: ماذا جنت الساكنة من هذا الاستثمار العمومي؟

غير أن الصمت داخل البرلمان ليس سوى جزء من الصورة. فإلى جانب صفته نائبًا، ظل أحنين لسنوات على رأس جماعة أزلا، إلى أن دخل في مواجهة مباشرة مع السلطات الإقليمية بسبب ملفات مرتبطة بالتعمير. المحكمة الإدارية بالرباط تنظر حاليًا في دعوى رفعها عامل إقليم تطوان، تتعلق بخروقات وُصفت بالجسيمة، من بينها توقيع تراخيص بناء بشكل انفرادي، وخرق تصاميم التهيئة، وتجاوز المساطر التي تفرض التنسيق مع الوكالة الحضرية.

بصيغة أبسط: بينما كان المقعد البرلماني في حالة ركود، كانت ملفات التعمير في حالة حركة نشطة، لكن في الاتجاه الخاطئ.

الملف القضائي لا يتحدث عن خطأ معزول أو اجتهاد إداري عابر، بل عن نمط تدبير يهدد بتكريس فوضى عمرانية، ما يجعل الرئيس مهددًا بالعزل، وربما بتجريده من صفته التمثيلية إذا سارت المسطرة إلى نهايتها. وهنا تكتمل المفارقة الثقيلة: نائب لا يطرح الأسئلة داخل المؤسسة التشريعية، لكنه يجد نفسه في مواجهة أسئلة أثقل أمام القضاء.

في الأصل، يُفترض أن يكون البرلمان فضاءً للمساءلة والمبادرة، لا قاعة انتظار إلى أن تُفتح ملفات أخرى في ساحات مختلفة. لكن هذا النموذج يكشف كيف يمكن للصمت داخل المؤسسة أن يتعايش مع تراكم الإشكالات خارجها، من دون أن يهتز المقعد أو تتغير المعادلة الانتخابية.

قصة محمد العربي أحنين ليست مجرد حكاية نائب “منعدم” الحصيلة، بل مسار طويل تحوّل فيه العمل التمثيلي إلى وظيفة مريحة، تُجدَّد بالتصويت، وتُموَّل من المال العام، من دون أن تفرض على صاحبها حدًا أدنى من الفعالية أو الالتزام بالمحاسبة السياسية. وإذا كان تغيير الانتماء الحزبي يُفترض أن يعكس تطورًا في القناعات أو مراجعة في الرؤية، فإن الواقع هنا يسير في الاتجاه المعاكس: كلما اقترب النائب من دوائر القرار، ابتعد أكثر عن جوهر التمثيل.

وفي مدينة لا تحتاج مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية إلى عدسة مكبّرة، يتحول هذا الصمت البرلماني من مجرد تقصير فردي إلى استخفاف صريح بحق التمثيل. ومع ذلك، لا يمكن تحميل الاسم وحده كامل المسؤولية، فمثل هذه النماذج لا تستمر إلا بثقافة انتخابية تخلط بين “المعروف محليًا” و“النافع مؤسساتيًا”، وتمنح الثقة لمن اعتاد المقعد، لا لمن يملك مشروعًا أو جرأة مساءلة.

محمد العربي أحنين ليس سوى أول محطة في سلسلة تطوانية طويلة. محطة عنوانها العريض: مقاعد كثيرة.. وأسئلة نادرة. والرحلة لم تنته بعد.. موعدنا غدًا مع حصيلة مماثلة إن لم نقل أسوء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى