الحصيلة (44): مراكش-المنارة: برلمان السرعتين.. نشاط قياسي وصمت مدفوع الأجر

حسين العياشي
نصل اليوم إلى الدائرة الثالثة في مراكش، دائرة المنارة، حيث يقال إن الاستثناء يؤكد القاعدة… لكنه في حالتنا هذه لا يفعل سوى أن يفضحها أكثر. ثلاث مقاعد، وثلاثة مسارات متناقضة، وميزانية واحدة ثابتة: 216 مليون سنتيم لكل نائب، بغضّ النظر عمّا إذا كان المقعد يُستعمل للعمل أو يُستعمل للزينة.
هنا يظهر أولًا عبد الواحد الشافقي، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، بحصيلة غير مألوفة في مشهد اعتدنا فيه على الصمت، 144 سؤالًا شفويًا خلال هذه الولاية التشريعية. رقم لا يمكن القفز فوقه، ولا يمكن التقليل من دلالته، لأنه ببساطة يكشف أن الاشتغال داخل البرلمان ليس مهمة مستحيلة، ولا يتطلب معجزة دستورية، بل يتطلب فقط نائبًا يقرر أن يمارس دوره بدل الاكتفاء بلقبه. وجود هذا الرقم داخل نفس المدينة، ونفس البرلمان، ونفس التعويضات، يجعل أي تبرير للكسل النيابي في الدوائر الأخرى بلا معنى.
لكن المفارقة أن هذا الاستثناء لا يغيّر الصورة العامة بقدر ما يعرّيها؛ لأنه بمجرد أن نغادر هذا المقعد، نعود بسرعة إلى مناخ “الحد الأدنى من الحد الأدنى”.
النائب الثاني هو عبد الرزاق أحلوش، عن حزب الاستقلال. حصيلته 20 سؤالًا شفويًا فقط، أغلبها دُفع دفعة واحدة سنة 2022، باستثناء ثلاثة أسئلة يتيمة في السنة التي سبقتها، وكأن الولاية التشريعية كانت موسمين قصيرين من النشاط، ثم عودة طويلة إلى مقاعد الانتظار. نشاط موسمي يشبه الحملات الانتخابية، يظهر فجأة، يختفي فجأة، ولا يترك أثرًا مستدامًا في الملفات الثقيلة التي تحتاج متابعة وضغطًا مستمرًا.
أما الرتبة الأخيرة، فهي من نصيب طارق حنيش، عن حزب الأصالة والمعاصرة، بحصيلة تكاد تختصر كل ما سبق، أربعة أسئلة شفوية فقط، اثنان في 2021 واثنان في 2022، ثم صمت كامل بعدها، كأن البرلمان أغلق أبوابه أو كأن مشاكل المنارة حُلّت دفعة واحدة. 216 مليون سنتيم مقابل حضور رمزي، أقرب إلى إثبات الوجود منه إلى ممارسة الرقابة أو الدفاع عن مصالح الساكنة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا من الأرقام نفسها، إذا كان نائب واحد قادرًا على طرح 144 سؤالًا، فما الذي يمنع الآخرين؟ هل المشكلة في النظام الداخلي؟ أم في الحكومة؟ أم في الطقس السياسي؟ أم أن المسألة ببساطة تتعلق بإرادة الاشتغال من عدمها؟
البرلمان، في النهاية، لا يحاسب نفسه؛ الأحزاب لا تحاسب أبناءها بجدية. والناخب، بعد يوم الاقتراع، ينسحب غالبًا من المشهد وكأن العقد انتهى. والنتيجة: مقاعد تُدفع كلفتها كاملة، لكن تُستعمل بنصف الجهد أو بربعه أو أحيانًا بلا جهد تقريبًا.
وفي مدينة مثل مراكش، حيث تتقاطع السياحة مع الهشاشة، والاستثمار مع الفقر، والمشاريع الكبرى مع أحياء مهمشة، لا معنى لتمثيل موسمي ولا لرقابة متقطعة. المدينة لا تحتاج نوابًا يمرّون مرور الكرام، بل من يزعجون الوزراء بالأسئلة، ويلاحقون الملفات، ويحوّلون المشاكل المحلية إلى قضايا وطنية تحت قبة البرلمان.
دائرة المنارة تعطينا اليوم صورة مكثفة عن أزمة التمثيل، نائب يشتغل، ونائبان يكتفيان بالحضور الشكلي، وثلاثة يتقاضون نفس الأجر، ويحملون نفس الصفة، ويستفيدون من نفس الامتيازات. مساواة كاملة في التعويضات، ولا مساواة في تحمل المسؤولية.
وهنا، مرة أخرى، لا يمكن الاكتفاء بتوجيه اللوم إلى المنتخبين فقط؛ فحين تتكرر نفس الأسماء، أو نفس العائلات، أو نفس الشبكات الانتخابية، وحين يُعاد إنتاج نفس السلوك الانتخابي كل خمس سنوات، يصبح السؤال موجّهًا أيضًا إلى الناخب: هل نريد فعلًا نوابًا يشتغلون، أم نكتفي بمن يعرف كيف يفوز؟
المنارة فيها استثناء يثبت أن البرلمان يمكن أن يكون ساحة عمل، لا مجرد قاعة تصويت. لكنها، في الوقت نفسه، تذكّرنا بأن الاستثناء وحده لا يصنع سياسة عمومية، ولا يغيّر واقع مدينة كاملة، ما دام الصمت ما يزال يحتل مقعدين من أصل ثلاثة.
وفي الحصيلة النهائية، تبقى مراكش ممثلة بأرقام غير متوازنة، وبأداء متفاوت، وبسؤال واحد كبير يتكرر مع كل دائرة: كم ندفع؟ وماذا نحصل بالمقابل؟





