الحصيلة (52): أنفا تحت القبة: تمثيل فاخر.. ومساءلة على المقاس

حسين العياشي

في قلب الدار البيضاء، حيث تتقاطع المصالح كما تتقاطع الطرق، تقف دائرة أنفا كواحدة من أكثر الدوائر رمزية وثقلاً سياسياً واقتصادياً. ثلاث مقاعد برلمانية يفترض أن تكون في الصفوف الأمامية للدفاع عن مدينة لا تنام، وعن ساكنة تدفع ثمن كل شيء مضاعفاً… من الضرائب إلى كلفة المعيشة. ثلاث مقاعد، وثلاث حكايات مختلفة في الشكل، متشابهة في الجوهر: تمثيل يلمع في الشعارات، ويخفت كثيراً في الأرقام.

هذه الدائرة بقيت، بخلاف غيرها، خارج الاحتكار الكامل لأحزاب التحالف الحكومي؛ إذ حافظ حزب العدالة والتنمية على مقعده التاريخي رغم سقوطه المدوي في انتخابات 2021، بينما توزعت المقاعد الأخرى بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال. توازن حزبي يبدو صحياً على الورق، لكنه لا يعني بالضرورة حيوية تحت القبة.

الأقدم داخل هذه الثلاثية هو عبد الصمد حيكر. نائب مخضرم، واسم ارتبط لسنوات طويلة بمقاعد أنفا، لكنه في الولاية الحالية لم يتجاوز سقف خمسة عشر سؤالاً شفوياً. رقم قد يجد له أنصاره مبررات جاهزة: ضيق الزمن المخصص للمعارضة، تفاوت الحصص بين الفرق، إكراهات العمل السياسي. غير أن العودة إلى ولايات سابقة، حين كان حزبه يقود الحكومة ويملك مفاتيح الزمن السياسي داخل البرلمان، تكشف أن الإيقاع ظل هو نفسه تقريباً. الحضور مستمر، لكن الوقع محدود، والأسئلة تُطرح بجرعات محسوبة، كأن التمثيل تمرين على الاقتصاد في الجهد لا على استنزافه في خدمة الناخبين.

المقعد الثاني كان من نصيب سعيد الناصيري، قبل أن يُجرد من عضويته ويخلفه عبد الواحد شوقي. انتقال لم يغير كثيراً من طبيعة الأداء. ستة أسئلة شفوية فقط، أُطلقت دفعة واحدة يوم واحد في الخامس من ماي 2023، كأن البرلماني قرر أن ينجز حصته السنوية في جلسة واحدة، ثم يعود إلى وضع الصمت. مشهد أقرب إلى موظف يوقّع الحضور في بداية السنة وينصرف مطمئناً إلى أن الراتب سيصل في موعده.

أما المقعد الثالث، فحجزه حزب الاستقلال عبر حسن بركاني. حصيلته خمسة وثلاثون سؤالاً شفوياً خلال الولاية الحالية؛ رقم يبدو لافتاً إذا ما قورن بأداء كثير من “الأشباح” تحت القبة، لكنه يظل متواضعاً حين يوضع في ميزان ما يفترض أن تكون عليه دائرة مثل أنفا، بثقلها الاقتصادي والاجتماعي وتعقيد ملفاتها. ربما يُعذر الرجل بانشغاله برئاسة غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء سطات، وهو منصب ثقيل بدوره، لكن السؤال يبقى قائماً: هل يمكن الجمع بين موقعين تمثيليين كبيرين دون أن يدفع أحدهما ثمن الآخر؟

في النهاية، لا يتعلق الأمر بأسماء منفصلة بقدر ما يتعلق بصورة عامة: دائرة بحجم أنفا، يفترض أن يكون صوتها مزعجاً داخل البرلمان، تتحول إلى حضور هادئ، أقرب إلى التوازن الإداري منه إلى الصراع السياسي. أسئلة تُطرح، لكن دون زخم يكفي لإرباك الوزراء. تمثيل قائم، لكن دون حرارة تليق بمدينة لا تتوقف عن الحركة.

وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: كل نائب من هؤلاء يكلف دافعي الضرائب ما يقارب 270 مليون سنتيم خلال ولاية واحدة. أرقام ثقيلة تُصرف باسم الترافع، بينما المردودية، مهما اختلفت مستوياتها، لا ترقى دائماً إلى حجم المدينة التي يفترض أنهم يحملون صوتها.

أنفا ليست دائرة هامشية، ولا مدينة صامتة. لكنها، تحت القبة، تبدو أحياناً وكأنها اكتفت بتمثيل هادئ… تمثيل لا يزعج الحكومة كثيراً، ولا يحرج المؤسسات، ولا يطمئن المواطنين أيضاً. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً: هل تحتاج الدار البيضاء إلى نواب يحافظون على التوازن، أم إلى أصوات تخلخل الطاولة كلما تعلق الأمر بمصالحها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى