الحصيلة (54): من يمثل الفداء–مرس السلطان؟ النواب أم الفراغ؟

حسين العياشي
بعد أن أنهينا جولة مجهر الحصيلة في دوائر أنفا، الحي الحسني، مولاي رشيد والبرنوصي، كان لا بد أن نواصل السير في خريطة العاصمة الاقتصادية. فالمسلسل لم يُكتب ليُختتم سريعًا، بل ليكشف نمطًا يتكرر كأنه قدر انتخابي: مقاعد تكلف الملايين… وأصوات تختفي خلفها.
وجهتنا اليوم دائرة الفداء–مرس السلطان.
دائرة تاريخية، سياسية، مكتظة بالملفات، لكنها تحت القبة تبدو كأنها دخلت في وضعية “الصمت الاقتصادي”.
ثلاثة مقاعد.
ما يقارب 648 مليون سنتيم في ولاية واحدة.
والحصيلة؟ لنقل إنها لا تحتاج إلى لجنة افتحاص… بل إلى ميكروفون يعمل.
لنبدأ بسعيد بكري، ممثل حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي دخل البرلمان خلفًا لمحمد بودريقة بعد تجريده من العضوية. دخول أشبه بترقية مفاجئة في مؤسسة لا يعرف صاحبها أين باب قسمها. الرجل يشغل أيضًا منصب رئيس جماعة المشور — أصغر جماعة في المغرب — ويبدو أنه قرر أن يصغر معها أثره البرلماني كذلك.
حصيلته صفر سؤال شفوي.
صفر كامل.
ليس قليلًا، ليس ضعيفًا، بل صفر نقي، مقابل 216 مليون سنتيم.
هذا ليس تقصيرًا… هذا انضباط كامل لفلسفة “لا تزعج أحدًا”.
برلماني بلا سؤال يشبه طبيبًا بلا مرضى، أو رجل إطفاء لا يقترب من النار حتى لا يتّسخ.
ننتقل إلى الحسين نصر الله، عن حزب الاستقلال، نائب عمدة الدار البيضاء المكلف بالتعمير — القطاع الأكثر حساسية وجدلاً وشبهات في المدينة.
في مجلس المدينة، حضوره كثيف.
في ملفات التعمير، اسمه حاضر.
في الكاميرات، صوته موجود.
لكن تحت قبة البرلمان؟
صفر سؤال شفوي باسمه.
صفر.
قد يظهر في فيديو وهو يتدخل، نعم.
لكن الأرقام الرسمية لا تجامل أحدًا.
البرلمان لا يعترف بالتعقيبات الرمزية ولا بالمداخلات باسم الفريق.
يعترف فقط بالسؤال المسجل باسم النائب.
والعداد هنا لا يتحرك.
بل حتى الأسئلة الكتابية لا تتجاوز السؤالين.
هنا يصبح السؤال مشروعًا:
ما جدوى مراكمة المناصب إن كان الجهد لا يتسع لها؟
السياسة ليست تعدد زوجات تمثيلي.
إن لم يكن المرشح قادرًا على العدل بين المقعدين، فليُطلّق أحدهما.
وإلا أصبح الجمع بينهما مجرد تجميع امتيازات لا توزيع مسؤوليات.
أما محمد التويمي بن جلون، عن حزب الأصالة والمعاصرة، القيدوم… فهو الأقل سوءًا داخل هذا المشهد. سبعة عشر سؤالًا شفويًا.
رقم يبدو لامعًا فقط لأن المحيط مظلم.
لكن حين نقترب من التفاصيل، نكتشف أن سنة 2024 كانت سنة بيضاء بالكامل.
2025؟ سؤال واحد.
أما 2023 فشهدت إطلاق دفعة أسئلة في يوم واحد 08/08/2023.. وكأن النائب قرر أن يؤدي واجبه دفعة واحدة قبل أن يعود إلى التقاعد التدريجي.
التمثيل هنا يشبه طالبًا يؤجل المراجعة طوال السنة، ثم يفتح الكتاب ليلة الامتحان.
الفداء–مرس السلطان ليست دائرة هامشية.
هي قلب اقتصادي واجتماعي وتاريخي.
لكن تحت القبة، تمثيلها يبدو كأن الملفات حُلّت، والمطالب انتهت، والمدينة بلغت الكمال.
648 مليون سنتيم تقريبًا في هذه الولاية فقط.
مقابل:
صفر + صفر + سبعة عشر.
لو كانت العمل البرلماني يُقاس بالكلمات، لكانت هذه الدائرة في وضع الصامت الدائم.
ولو كانت المساءلة رياضة، لكانت هنا مباراة بلا جمهور وبلا أهداف.
لكن الحقيقة المزعجة ليست في النواب وحدهم.
بل في من يمنحهم التذكرة كل خمس سنوات.
وفي من يقاطع ويعتقد أن الأمر لا يعنيه، بينما أمواله تموّل هذا الصمت الفاخر.
وهكذا يستمر المسلسل:
مدينة تصرخ بالإسمنت والغبار والضرائب…
ومقاعد تحت القبة تتقن فن الثبات دون احتكاك.
وغدًا، دائرة جديدة… وصمت آخر مدفوع الثمن.





