الحصيلة (14): “ليلى أهل سيدي مولود” تضيّع أصوات الناخبين بين المؤتمرات وصمت الجلسات

حسين العياشي
في الداخلة، حيث تمتد الجغرافيا على اتساع الصحراء، اختارت السياسة أن تنكمش إلى نقطة صمت. هناك، تحت قبة البرلمان، تجلس النائبة البرلمانية عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ليلى أهل سيدي مولود، ممثلة دائرة الداخلة–وادي الذهب، وقد نجحت في تحقيق إنجاز نادر: أربع سنوات كاملة بلا سؤال شفوي واحد. صفر دائري، مكتمل، لا يحتاج إلى تأويل ولا إلى لجان تقصي. صمت خالص، مُتقن، يليق بحزب يقود الحكومة ويملك الزمن والعدد والمفاتيح.. لكنه اختار أن يُنتج الغياب.
8000 صوت حملت النائبة إلى البرلمان في انتخابات 2021، لكن هذه الأصوات لم تجد طريقها إلى المركز. أربعة أعوام مرّت، ولم نسمع عن الداخلة سؤالًا، ولا عن السكن، ولا عن التشغيل، ولا عن الخدمات، ولا حتى سؤالًا بروتوكوليًا لملء الفراغ. كأن الدائرة الانتخابية تحوّلت، فجأة، إلى مدينة فاضلة بلا مشاكل، أو كأن البرلمان نادٍ مغلق لا يُطلب من أعضائه سوى الحضور الجسدي ورفع اليد أثناء عملية التصويت.
هذا الصمت لم يكن مجانيًا؛ بل كلف دافعي الضرائب إلى حدود اليوم ما يفوق 150 مليون سنتيم كأجر برلماني، دون احتساب التعويضات التكميلية، والتنقلات، والسفريات باسم “الدبلوماسية البرلمانية”. ومن المفارقات الثقيلة أن تُسجَّل مشاركة النائبة في المؤتمر العالمي للنساء البرلمانيات للاتحاد البرلماني الدولي، لعرض تجربة المملكة في تعزيز حضور المرأة في العمل البرلماني. أي تجربة هذه؟ تجربة الصمت؟ تجربة الكرسي المحجوز؟ أم تجربة التمثيل الشكلي الذي يُسوَّق خارج الحدود ويُفرَّغ داخلها؟
هنا نصل إلى جوهر الإشكال؛ اللائحة الجهوية للنساء. أداة دستورية وُجدت لتصحيح اختلال تاريخي، لا لتكريس غياب جديد. فلو لم يُفرض التمييز الإيجابي بقوة القانون، لما وجدت كثير من هذه الأسماء موطئ قدم داخل البرلمان. كان يُفترض أن تكون هذه الفرصة غير القابلة للتكرار حافزًا لمضاعفة الجهد، لا ذريعة للاختباء خلف المقاعد. لكن الواقع يكشف أن بعض النائبات اخترن اللائحة الجهوية كوسيلة للولوج الآمن إلى راتب ثابت، لا كمنصة لرفع صوت النساء ولا صوت الدوائر التي يمثلنها.
والمشهد يزداد كاريكاتورية حين نضعه داخل سياق حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يملك أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، وأوسع حيز زمني للتدخل، وأقوى حضور مؤسساتي. ورغم ذلك، اختار عدد غير قليل من برلمانييه وبرلمانياته أن يتركوا النقاش العمومي حكرًا على أسماء معدودة، تستهلك الزمن بين التصفيق والتطبيل والدفاع الآلي عن الحكومة. الزمن متوفر، لكن الإرادة غائبة. الميكروفون مفتوح، لكن الصوت مختفٍ.
المفارقة الصادمة أن نائبات من أحزاب معارضة، لا يملكن أحيانًا سوى دقيقة يتيمة في الجلسة، ينجحن في طرح مئات الأسئلة وتسجيل آلاف المساهمات داخل هذا الحيز الزمني الخانق. هناك من فهمت أن التمثيل مسؤولية، وهناك من تعاملت معه كامتياز اجتماعي. هناك من استثمر اللائحة الجهوية لاقتحام النقاش العمومي، وهناك من استثمرها لضمان دخل لا يشترط أي مجهود في المقابل.
ليلى أهل سيدي مولود ليست حالة معزولة، بل نموذج ضمن منظومة كاملة تعاني من فقر الوعي بالدور الدستوري. نموذج يختزل الأزمة في سؤال بسيط ومحرج: هل نريد تمثيلية نسائية فاعلة، أم مجرد أرقام تُستعمل لتلميع الصورة في التقارير الدولية؟ هل نبحث عن نائبات يزعجن الحكومة، أم عن نائبات لا يُسمع لهن همس؟
في النهاية، الصفر ليس مجرد رقم في حصيلة برلمانية، بل موقف سياسي. والصمت، حين يكون اختيارًا، يتحول إلى شراكة في التهميش. والداخلة، كما غيرها من الدوائر، لا تحتاج إلى نواب سياح في المؤتمرات، بل إلى أصوات تزعج، تُسائل، وتُحرج. أما غير ذلك، فليس تمثيلًا.. بل غياب مدفوع الأجر.





