السجن والسياسة بالمغرب بين آليات الصراع وتقنيات الإخضاع

د.محمد شقير

يعتبر السجن مجالا موازيا لممارسة السلطة؛ فالسجن عادة ما يلعب دورًا أساسيًا للتقييد والحد من انتشار الأفكار السياسية المعارضة والمشككة في تصورات وتوجهات السلطة القائمة. فمن خلال زج السلطة بمعارضيها في السجون، تهدف هذه الأخيرة إلى الحد من انتشار الأفكار المعارضة من خلال اعتقال وسجن المعارضين الحاملين لهذه الأفكار، للحد من نشاطهم السياسي ومما يمكن أن يشكله من خطر على استقرار النظام القائم.

فالسجن في مختلف الدول شكل دائماً مجالاً سياسياً بامتياز، حيث تتجمع فيه كل الفئات المعارضة، وتتداول فيه مختلف الأفكار السياسية، خاصة المناوئة للنظام القائم؛ بحيث يعتبر السجن مجالاً سياسياً موازياً ومضاداً للمجال السياسي الرسمي، له فاعلوه السياسيون، وقياداته الفكرية، وبنياته التنظيمية. أي بعبارة أخرى: هو مجال سياسي مصغر عادة ما يكون في تعارض مع المجال السياسي الرسمي العام، الشيء الذي لا يعني بالضرورة القطيعة مع المجالين، إذ هما في علاقة تفاعلية باستمرار. إذ يمكن، وفق ظرفية سياسية معينة، أن يلتحق فاعلون قبعوا في السجن لمدة معينة بالمجال السياسي الرسمي، أو يمكن نتيجة لتغير الأوضاع السياسية ـ كثورة أو انقلاب أو عفو… ـ أن ينقلب الأمر، ليدخل الفاعلون السياسيون الرسميون الحاكمون السجن، ليتولى بدلهم سياسيون كانوا معتقلين فيه.ولعل النكتة التي تُروى عن أن أحد الحكام الديكتاتوريين سئل عن السبب في عدم اهتمامه ببناء السجون والإكثار منها بدل بناء المدارس، فرد بالقول: “إنني على يقين بأنني لن أرجع للتعلم في المدارس، أما السجون فمن يدري ما يخبئه القدر؟ فقد أدخلها يوماً إذا ما تغيرت الأوضاع وتم الانقلاب علي”.

وبالتالي، فالسجن ارتبط دائماً بالسياسة، وشكل إحدى مجالاتها؛ فالتاريخ السياسي للمغرب كان حافلاً بأحداث ارتبطت ببناء السلاطين للسجون، التي كانت تشكل مجالاً للزج بمعارضي السلطة، أو الانتقام من خصوم النظام. فالسجن كان آلية من آليات الصراع على السلطة إلى جانب القتل والتمثيل؛ فالمتمرد “بوحمارة” تم وضعه في قفص والتطويف به قبل أن يتم تقطيع جثته، كما أن مولاي عبد الكبير ـ أحد إخوان مولاي عبد العزيز ـ تم الزج به في السجن في إطار التنافس على العرش، ومولاي عبد الكبير الكتاني وضعه مولاي عبد الحفيظ في السجن بعد القبض عليه ليتم بعد ذلك اغتياله.

كما شهد التاريخ الحديث للبلاد الدور السياسي الذي لعبته السجون والمخافر والمعتقلات في الصراع الذي احتدم بين الفرقاء الذين أفرزتهم عملية الحصول على الاستقلال؛ فدار بريشة، ودار المقري، ومعتقل درب مولاي الشريف، والسجون المدنية في مختلف مدن البلاد ـ كسجن لعلو، واغبييلة، والسجن المركزي للقنيطرة ـ ومعتقلات أكدز، وتازمامارت… كلها جسدت مراحل للصراع السياسي على السلطة، كما شكلت آلية للحسم في هذا الصراع. وهكذا فقد شكلت السجون دائماً أداة في يد السلطة المخزنية كآلية لتعذيب المعارضين أو تغييبهم.

1 – المخفر كمجال لتعذيب المعارض السياسي

إن التعامل السياسي الذي كان بين السلطة ومعارضتها السياسية، خاصة في فترات الستينات والسبعينات والثمانينات، كان يدخل في جوهره في إطار صراع حاد حول التحكم في دواليب الحكم واحتكار مصادر القرار السياسي. حيث انتقل الصراع منذ بداية الستينات من دائرة الصراع ضمن مجال الشرعية السياسية (كالصراع الحكومي والانتخابي والبرلماني) إلى مجال “الطبيعة السياسية” حيث اللجوء إلى القوة والعنف بمختلف أشكاله الذي اعتبر الأسلوب الأساسي للصراع.

ومما فاقم من هذا الصراع الطبيعي والشرس بين السلطة ومعارضتها، غياب مأسسة حقيقية للعبة سياسية واضحة المعالم ومتجذرة الأسس، بالإضافة إلى تجذر تراكم الثقافة السياسية المخزنية التي قلما تعايشت مع مفهوم المعارضة السياسية. وقد تجسد ذلك في عدة محطات تاريخية كان من أبرزها تصفية الفقيه عبد السلام جسوس من طرف المولى إسماعيل والتمثيل به، وكذا تعذيب المولى عبد الحفيظ لمعارضيه الأساسيين: الزرهوني المكنى بـ “بوحمارة”، وعبد الكبير الفاسي الذي تجرأ على وضع شروط في بيعته لهذا السلطان. بالإضافة إلى أن تاريخ مدينتي فاس ومراكش حافل برؤوس المعارضين التي تم تعليقها على أبوابها كباب بوجلود وباب محروق وغيرها.

لذا، فإن المسحة العصرية التي اكتستها بنية السلطة بعد الاستقلال لم تؤدِ إلى تغيير عميق في مضمونها المستند إلى عدم القبول بأية معارضة سياسية، خاصة تلك التي تستهدف جوهر النظام وثوابته. من هنا، فقد كانت آليات مواجهة السلطة المخزنية تتسم بالشدة والعنف وتشتغل وفق ازدواجية تعذيبية مقصودة تقوم على انتقاء أساليب التعذيب التي تمكنها من بلوغ غايات سياسية محددة. وتقوم عادة هذه الازدواجية التعذيبية على ثلاثة محاور رئيسية:

أ- المخفر كمجال سري للاستنطاق السياسي: من خلال شهادات عدة معتقلين، تم اكتشاف أن أغلب هؤلاء كانوا يتعرضون في البداية ليس للتحقيق، بل لاستنطاق عنيف ينطلق من أن المعتقل هو وحدة من تنظيم ينبغي الكشف عنه والعمل على تفكيكه. وبالتالي ينبغي اللجوء إلى كل الوسائل لانتزاع اعتراف هذا المعتقل. وقد وصف أحد المعتقلين السابقين عملية هذا الاستنطاق كالتالي:

“لقد تعرض جميع المعتقلين للتعذيب أثناء جلسات الاستنطاق من طرف الشرطة القضائية… وهذا التعذيب اتخذ مظهرين: المظهر الأول: مرتبط بالظروف الخاصة بالوضع تحت الحراسة، تلك الظروف التي تنعدم فيها أبسط الحقوق الإنسانية والقانونية؛ فالعصابة موضوعة على العينين باستمرار، والقيد لا يفارق اليدين، والكلام ممنوع بين المعتقلين، زيادة على رداءة التغذية وعدم كفايتها. كان مفروضاً على المعتقلين أثناء المدة التي قضوها في المعتقل السري أن يظلوا منبطحين على جنوبهم أو ظهورهم، ولا يسمح لهم بالجلوس إلا أثناء فترة الأكل القصيرة، وكل مخالفة تعرض مرتكبيها للعقاب القاسي والجلد بالسياط. المظهر الثاني: مرتبط بشروط الاستنطاق، حيث كان الأسلوب السائد هو التعذيب بجميع أنواعه: الجلد، التعلاق، الخنق بالماء، الكهرباء، الكي بالسجائر… وذلك لنزع الاعترافات. وجدير بالذكر أن المحاضر التي أنجزت في ظل هذه الشروط أجبر المعتقلون على توقيعها بالإكراه دون الاطلاع على مضمونها، بل حتى دون نزع القيد أو العصابة عن العينين، إذ كان رجل الشرطة يأخذ بيد المعتقل ويجبره على التوقيع”. (1)

إن هذا الوصف يحدد الكيفية التي يتم بها الاستنطاق، وهي قبل كل شيء مبارزة سياسية بين نظام يريد أن يثبت قوته أمام معارضة يفترض أن تعترف بضعفها وعدم قدرتها على المواجهة. ولعل هذا ما أشارت إليه إحدى مناضلات هذه المعارضة عندما كتبت تصور هذه المجابهة السياسية حيث عبرت عن لحظة الاستنطاق كما يلي:

“إنها لحظة التحدي الأكبر، لحظة المجابهة بكل معانيها، مجابهة مع الآخر بما تعنيه من مبارزة هي غير النضال اليومي، بل هي اختبار قوة بكيفية مباشرة…”. (2)

إن لحظة الاستنطاق هذه ليست تحقيقاً قضائياً أو حتى بوليسياً عادياً، بل هي قبل كل شيء نزال سياسي يحاول كل طرف أن يثبت قوته على الآخر: الأول بأسئلته واستفزازاته وعنفه، والطرف الثاني بصموده وانتقائه لأجوبته والدفاع عن قناعاته. وعادة ما يتحول الاستنطاق إلى عدة لحظات للمبارزة تطول حسب قوة روح المقاومة التي يبديها المعارض وكذا الأهداف التي يبتغيها المحقق، والتي من أهمها إجبار خصمه على الاعتراف. فاعتراف المعارض هو قبل كل شيء آلية لتفكيك مكونات التنظيم الذي ينتمي إليه، من خلال خلق بذور الشك والحذر وإيهام المعتقل بأن مصلحته الشخصية تقتضي الاعتراف على زملائه والوشاية بهم، الشيء الذي يؤدي إلى خلق عدة حزازات وصراعات عادة ما تؤثر على تماسك التنظيم فيما بعد. كما أن إقرار المعتقل بما هو منسوب إليه غالباً ما يشكل بالنسبة للمحقق لحظة انتصار سياسي على خصمه وتسهيل تقديمه للمحاكمة والحكم عليه بالعقاب.

ب– المخفر كمجال للتأديب السياسي: إن التعذيب في نظام مخزني يقوم بالأساس على أرضية “ثيوقراطية وأبوية” غالباً ما يتخذ بعداً خاصاً؛ فالمعارض عادة ما ينظر إليه على أنه قد انحرف عن جادة الصواب السياسي، وبالتالي يجب العمل على إعادته إلى “الطريق المستقيم”. من هنا شكلت مخافر الشرطة والمعتقلات السرية مجالاً لتجسيد هذا التصور السياسي؛ فالجلادون عادة ما يلقبون بـ “الحجاج”، ويجبر المعتقلون على مناداتهم بهذا الاسم وإلا تعرضوا لأقصى أنواع العقاب. وقد أشارت إحدى المناضلات بهذا الصدد إلى ما يلي:

“كان لا بد من الإذعان لأوامر الحاج، ولكني رفضت أن أسميهم حجاجاً وهم ليسوا كذلك، كنت أطلب حاجتي من غير مقدمات، وكانوا يرفضون الاستجابة. كما يجب أن أنادي على الحاج وما استسغت ذلك، فكلفني عنادي هذا دروساً غالية في الصفع والتنكيل والإهانة”. (3)

إن الحرص على ضرورة نعت جلادي النظام باسم “الحجاج” من طرف المعارضين هو إجبار لهؤلاء على القبول بكل مكوناته الدينية والسياسية من أعلى الهرم السياسي إلى أسفله. فهؤلاء “الحجاج” هم أدوات النظام لإجبار كل معارضة تحيد عن الأيديولوجية الدينية الرسمية على الرجوع إلى “الطريق المستقيم”. فالتعذيب في هذا الإطار يتحول إلى نوع من التأديب، حيث تتحول السلطة إلى “والد” يقوم بتأديب أبنائه لأنهم حادوا عن جادة الصواب، ويتحول المعتقل المعارض إلى “ابن” وقع في الضلال والزيغ. ولعل مما يجسد هذا التصور هو الأدوات التي تستعمل في التعذيب والتي تعتمد بالأساس على الجلد بكل أنواعه. وفي هذا الإطار أيضاً يتحول التعذيب إلى وسيلة أساسية لإجبار المعارض على التوبة وإعلانه عنها. وقد وصف الشاوي هذه العملية من خلال ما يلي:

“كنا نسمع حاجاً من الحجاج يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فيقول (ص) وهو محطم: أشهد أن لا إله إلا الله، ويقول الحاج: وأن محمداً رسول الله، فيقول (ص) بصوت بائس: وأن محمداً رسول الله، ويقول الحاج: وأشهد أن الميزان حق، فيقول (ص) بصوت مسموع: وأن الميزان حق، وأن الصراط حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها… هذا مع أنين متقطع مبعثه الضربات القارسة المنقطعة في جسد الرفيق العزيز… وبعد أيام سمعنا أن (ص) أصبح من أهل الدين الحنيف، وهو يمارس الصلاة في ميقاتها بخشوع. وهذا يعني أن للضرورة أحكامها”. (4)

ج- المخفر كمجال للتنكيل السياسي: عادة ما تتسم عملية تعذيب المعارضين بالوحشية والعنف الشديد، حيث يتم إخضاع جسد المعارض، وبشكل ممنهج، لكل أساليب التعذيب. ويكون الغرض من ذلك ليس فقط انتزاع الاعتراف، بل أيضاً وشم جسد المعارضين بعلامات بطش النظام المخزني ومدى قوته. وبهذا الصدد وصف صلاح الوديع لحظة من لحظات تعذيبه كما يلي:

“عندما اعتقدت أنني نلت من العذاب ما كفاني، عادوا مرة أخرى فنادوا علي وشبحت وأنا معلق في الهواء وظهري إلى أسفل ويداي ورجلاي موثقان حول عمود وضع بدوره بشكل يجعلني معلقاً في الفراغ. ثم أخذوا خرقة مبللة، عبقة بأقذر ما في مراحيض البلد من روائح… ألصقوها بأنفي وفمي حتى كاد صاحب الأمانة أن يأخذ أمانته، فيما كان ماردان ينزلان في باطن قدمي بالسوط ضرباً لا قبل لأبناء آدم ولا لبنات حواء به…”. (5)

إن هذا التفنن في التعذيب يرمي بالأساس إلى إقناع المعارض بأنه أصبح جسداً في ملكية النظام يفعل به ما يريد، ويتحكم في التنكيل به حسب ما يشتهي. وهذا يذكر بعملية التمثيل بأجساد المعارضين من طرف السلاطين، إذ كان غالباً ما يتم إركاب المعارض على جمل ويتم التطواف به بالمدينة، ليتم بعد ذلك جلده أمام الملأ، ثم يتم بعد ذلك قطع رجله اليسرى ويده اليمنى، ثم بتر رجله اليمنى ويده اليسرى، ليتم بعد ذلك قطع رأسه وتعليقه على أسوار العاصمة. وقد كان الهدف من كل هذه العملية هو إظهار قوة السلطان المتمثلة في التمثيل بجسد المعارض والتنكيل به، وبالتالي جعله عبرة لكل المعارضين المحتملين الذين يمكنهم أن يثوروا أو يتمردوا عليه.

ولعل هذه العملية التي كانت تتم علانية في الفترة السلطانية، هي التي تتم بشكل خفي وبوسائل أكثر بطشاً لبلوغ نفس الهدف. إذ إن التنكيل بجسد المعارضين في النظام المخزني في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كان الهدف منه بث الخوف وإشاعته في مختلف أوساط المعارضين الذين قد يفكرون في التمرد على النظام. فـ “الآثار والندوب” التي يحملها المعارض بعد خروجه من المعتقل أو السجن، وما قد يرويه من أخبار حول أشكال التعذيب التي خضع لها، هي رسالة ضمنية مكتوبة على جسد المعارض، لإظهار قوة النظام على البطش والتنكيل بكل من سولت له نفسه المغامرة بالدخول إلى معترك السياسة، حتى أصبحت كلمة “السياسة” في المغرب، لفترة طويلة، مرادفة للخوف والرعب.

2 – المعتقل كمجال لتغييب المعارض السياسي

نظراً لغياب أدنى مقومات حياة سياسية طبيعية، خاصة بعد الإعلان عن حالة الاستثناء، لجأت المعارضة إلى العمل السري كوسيلة من وسائل التنظيم وكغطاء للاحتماء من بطش السلطة. من هنا كانت المواجهة السياسية بين النظام ومعارضته تتم وفق مسار يتسم بالسرية ويتصف بالتقتيل والتصفية.

أ- المعتقل كمجال سري: إن انعدام الثقة الذي ساد بين السلطة ومعارضتها جعل الصراع بينهما يتم في جو مشحون بالمؤامرات والضربات الخفية والتربص؛ فالسلطة كانت تتوجس من كل تحرك سياسي للمعارضة، في حين كانت تشعر هذه الأخيرة بغياب أدنى شرط للعمل السياسي المشروع. من هنا عملت تنظيمات المعارضة في إطار السرية، الشيء الذي ردت عليه السلطة باللجوء إلى الاختطاف كوسيلة للقبض على معارضيها. وهكذا وصف عبد القادر الشاوي الطريقة التي كان يتم بها اعتقال أعضاء تنظيمه السري من خلال ما يلي:

“إن اعتقالنا تم عبر أسلوب ثابت وشامل ألا وهو الاختطاف بواسطة أشخاص مجهولي الهوية، حيث ينقضون على الشخص وهو سائر في الطريق، أو ينتهكون حرمة المؤسسات التعليمية وغيرها ومحلات العمل… بل لا يتورعون عن اقتحام المساكن في ساعة متأخرة من الليل. وبمجرد القبض على المشبوه فيه يرمى في سيارة مدنية وتوضع على عينيه العصابة وفي يده القيد، ليبدأ مسلسل الضرب والشتم في الطريق وقبل الوصول إلى المكان المجهول. وهكذا قضينا في معتقل درب مولاي الشريف مدداً تتراوح ما بين أربعة شهور بالنسبة للبعض وحوالي السنتين بالنسبة للبعض الآخر… دون أن نعرف أين نوجد ودون أن تعرف عائلاتنا ومحامونا بمكان وجودنا”. (6)

من خلال هذا الوصف يتضح أن السلطة كانت تحرص في القبض على معارضيها على اتباع أساليب خاصة تقوم على المباغتة والعمل في سرية تامة. وكل هذه الأساليب كان يُبتغى منها ترهيب المعارضين كأفراد، وبث شعور العزلة في نفوسهم، وإقناعهم بأنهم أصبحوا بدون حماية قانونية أو تنظيمية أو حتى عائلية في قبضة السلطة التي يمكن أن تفعل بهم ما تريد، وهذا بالطبع سيزيد من إضعاف معنوياتهم وتسهيل الإيقاع بهم.

ب- المعتقل كمجال لمحو الهوية السياسية: بمجرد ما تقوم السلطة بالقبض على معارضيها وإيداعهم المعتقل السري، تمنح لهم أرقاماً خاصة ويتم تحفيظها لهم. وهكذا أشار صلاح الوديع متحدثاً عن بداية تجربته في الاعتقال بما يلي:

“أنا شخصياً ما كدت أودع جدرانهم حتى أعطوني بذلة كاكية وقيداً… وحين انتهوا من إلباسي بشيء من الحزم، نطقوا برقم وقالوا لي: سننادي عليك به”. (7)

إن هذه التقنية الترقيمية ترمي بالأساس إلى تحويل المعارض من “ذات إنسانية وسياسية” إلى مجرد “رقم”، واختزاله من عضو ضمن تنظيم سياسي بزخمه الأيديولوجي وحيويته النضالية إلى رقم ضمن مجموعة من الأرقام وملف ضمن مجموعة من الملفات. وهذا بالطبع يرمي بالأساس إلى العمل ليس فقط على محو شخصية المعارض، بل البحث قبل كل شيء عن محو الهوية السياسية للتنظيم المعارض من خلال التعامل مع أعضائه كذوات رقمية ومنفردة. ولعل مما يؤكد هذه الخلفية هو حرص الشرطة السياسية على تعصيب عيني المعارض وإكراهه على حمل هذه العصابة طيلة فترة اعتقاله وحتى أثناء تعذيبه. وهكذا عبرت فاطنة البيه عن المحو الممنهج لهوية المعارضة من خلال ما يلي:

“قضينا في ذلك المعتقل قرابة ستة أشهر في عزلة تامة عن العالم الخارجي، وكان المقام إرهاباً ورعباً دائمين؛ فالتعذيب الجسدي بشتى أنواعه ابتداءً من الصفع واللكم والضرب بالسياط إلى الكي بالكهرباء والتعلاق من اليدين والرجلين، وذلك لانتزاع الاعترافات وطبخ الملفات. أما التعذيب النفسي، فقد تجلى في أبشع مظاهر الحط من الكرامة والمعاملات القاسية اللاإنسانية، ابتداءً من السب والشتم، واختزالنا إلى مجرد أرقام هي بمثابة أسماء جديدة لنا، إلى الحرمان من أبسط مظاهر الحياة كالنظر والحركة والكلام… وضعت العصابة على أعيننا طيلة هذه المدة، وكان الوقوف ممنوعاً…”. (8)

ج- المعتقل كمجال للتصفية السياسية: إن كل المخافر والمعتقلات التي كان يودع فيها المعارضون كانت سرية؛ فدار المقري، والكوربيس، ودرب مولاي الشريف، ومقر تمارة، إلى جانب عدة مقرات أخرى، كانت كلها مقرات سرية لا تحمل أية أسماء رسمية، بالإضافة إلى أنها كانت توجد في الغالب في أماكن معزولة. ولعل اللجوء إلى هذه المقرات كان يهدف بالأساس إلى استفراد السلطة بمعارضيها وعزلهم عن محيطهم الاجتماعي والتنظيمي والعائلي.

كما أن هذا الإخفاء هو انعكاس لتصور سياسي رسمي يستند إلى عدم الاعتراف بوجود أية معارضة سياسية تتجاوز المعايير المحددة من طرف النظام. وقد تجلى ذلك بالخصوص من خلال نفي السلطة في عدة تصريحات وخطب رسمية وجود معتقلين سياسيين بالمغرب، وكذا عدم الاعتراف القانوني بوجودهم، الشيء الذي كان يترتب عنه الحكم على معارضي النظام كمجرمي حق عام وليس كسجناء رأي. بالإضافة إلى إخفاء أكثرهم خطراً في غياهب معتقلات غير رسمية وغير معروفة من طرف العموم، والتي لم يتم الكشف عنها إلا في نهاية التسعينات من القرن الماضي كمعتقل تازماممارت ومعتقل قلعة مكونة وغيرها.

إلى جانب ذلك، يعتبر الإخفاء تقنية سياسية وغطاء لممارسة ترمي في العمق إلى تصفية الوجود السياسي لأية معارضة. فتعذيب المعارضين في أقبية مخافر ومعتقلات سرية بعد اختطافهم بطرق غير رسمية وقانونية كان يتضمن ليس فقط العمل على التصفية السياسية لكل معارضة من خلال إبعاد المعارضين وإخفائهم وعزلهم، بل كان يجسد محاولة لمحو هذه المعارضة وذلك من خلال التصفية الجسدية للمعارضين. ولعل هذا ما ألمح إليه أحد المعارضين السابقين للنظام حيث أشار واصفاً طريقة التعذيب التي كانت تمارس عليهم كما يلي:

“لم يكونوا يتعاملون معنا على أساس أننا بشر، بل ربما كانوا يعتبروننا أقل قيمة حتى من الحيوان. فمن الممكن أن تكون لك خصومة سياسية مع شخص وقد يفكر هذا الشخص في تصفيتك، ولعل هذا قد يكون مقبولاً، ولكن المشكل يكمن في الطريقة التي كان يصفيك بها؛ لقد كانت تتسم بالوحشية والحيوانية. لقد كان يتعامل مع خصمه لا على أساس أنه يريد محوه سياسياً، ولكن كان يهدف لمحوه جسدياً، وهذه أبشع الممارسات السياسية…”. (9)

وعموماً، فإن ملف حقوق الإنسان الذي ما زال مفتوحاً لحد الآن لا يمكن أن ينظر إليه من زاوية إدارية تختزل الأمر في “تجاوزات لبعض أجهزة السلطة والمطالبة بالتعويض”، بل ينبغي أن ينظر إليه من زاوية سياسية ترى بأن مختلف هذه الاختفاءات والوفيات والتعذيبات والاعتقالات لم تكن نتيجة أخطاء مهنية لبعض موظفي الدولة، بل نتيجة أخطاء لتصور سياسي يقوم على مبدأ الإجماع السياسي من الناحية المذهبية، والاحتكار السياسي من الناحية العملية. ومثل هذا التصور لا يمكن أن يقبل أو يعترف بوجود معارضة سياسية تناقش ثوابته وتنتقد أسسه.

لذا، فإن استمرار هذا التصور وترسخه لا يمكن أن يضمن عدم تجدد مثل هذه التجاوزات السياسية في المستقبل، بدليل بعض الانتهاكات التي تعرض لها بعض معارضي النظام، خاصة بعد أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء؛ فقد تناقلت الصحف ما تعرض له الكثير ممن تم اعتقالهم من أعضاء وأتباع ونشطاء السلفية الجهادية من أشكال تعذيب نفسية وبدنية. وبالتالي، فلحماية المعارضين السياسيين بمختلف انتماءاتهم الأيديولوجية والسياسية من تجاوزات الأجهزة الأمنية التي ما زالت تترسب في سلوك السلطة في تعاملها مع معارضيها، من الضروري إعادة هيكلة السلطة المخزنية وفق منظور سياسي جديد يقوم على مبدأ التفتح السياسي والاعتراف بالاختلاف والقبول بالفكر المعارض، بالإضافة إلى بلورة مجموعة من الضمانات السياسية والقانونية والعملية لحماية المعارضين من بطش السلطة وتجاوزات أجهزتها الأمنية. ولعل ما تم تبنيه من آليات قانونية وحقوقية من طرف أجهزة السلطة الأمنية خلال العقود الأخيرة أصبح يسير في هذا الاتجاه، الشيء الذي نوهت به تقارير بعض الهيئات الحقوقية الدولية والوطنية.

الهوامش:

– عبد القادر الشاوي – كان وأخواتها – منشورات الغد – الطبعة الثانية – 1999  – ص 29-28

2 – فاطمة البيه – حديث العتمة – الفنك – الدار البيضاء – ص 122

3 – ن م – ص 19

4 – كان وأخواتها – م س – ص 42

5 – صلاح الوديع – العريس – مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء – الطبعة الأولى 1988 ص 41

6 – كان وأخواتها – م س  – ص 18

7 – صلاح الوديع – ن م – ص 114

8 – فاطمة البيه – ن م – ص 114

9 – في استجواب لمصطفى الملحاوي – الأحداث المغربية بتاريخ 9 غشت 2001 – ص 5

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى