السيادة الزمنية بالمغرب.. هل حان وقت مراجعة الساعة القانونية؟

إعلام تيفي ـ ورقة

في سياق يتجدد فيه النقاش العمومي حول الساعة الإضافية، أصدر المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) ورقة تحليلية موسعة بعنوان: “السيادة الزمنية بالمغرب: تحليل كلفة/منفعة التوقيت القانوني (توقيت غرينتش +1)”.

الدراسة، المبنية على أدلة علمية ودولية ومعطيات رسمية وطنية، تعود إلى قرار تثبيت الساعة القانونية منذ سنة 2018.

قرار 2018.. من إجراء تقني إلى خيار سيادي

في 26 أكتوبر 2018 صدر المرسوم رقم 2.18.855 الذي ثبّت إضافة 60 دقيقة بشكل دائم، مع استثناء شهر رمضان.

القرار الذي برّر حينها بالمواءمة مع أوروبا وتوفير الطاقة، تحوّل – بحسب الورقة – إلى مسألة سيادة زمنية، أي قدرة الدولة على تنظيم توقيتها بما يوازن بين المتطلبات الاقتصادية الخارجية ورفاه المواطنين داخلياً.

وترى الدراسة أن مرور أكثر من سبع سنوات دون تقييم رسمي منشور للأثر الشامل، يجعل من الضروري إخضاع السياسة الزمنية لتحليل كلفة/منفعة مبني على البيانات.

كلفة صحية واجتماعية موثقة

تستند الورقة إلى أدبيات علمية دولية تشير إلى أن العيش في الجانب الغربي من المنطقة الزمنية – كما هو حال المغرب مع GMT+1 – يرتبط بفقدان متوسط قدره 19 دقيقة من النوم يومياً، مع ارتفاع مخاطر اضطرابات صحية مزمنة.

كما توثق دراسات شبه تجريبية فقدان نوم أكبر لدى المراهقين قد يصل إلى 32 دقيقة بعد اعتماد التوقيت الصيفي.

وتحذر الدراسة من أثر الصباح المظلم على السلامة الطرقية، مشيرة إلى أبحاث تربط العيش غرب المنطقة الزمنية بزيادة وفيات حوادث السير بنسبة قد تصل إلى 21.8% (نتيجة ارتباطية).

على المستوى الوطني، تُظهر معطيات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA) أن عدد قتلى حوادث السير بلغ: 3005 سنة 2020 و 3685 سنة 2021 و 3242 سنة 2022 و3819 سنة 2023 و4024 سنة 2024.

وتؤكد الورقة أن هذه الأرقام لا تثبت علاقة سببية مباشرة مع التوقيت، لكنها تؤطر الكلفة البشرية في سياق يستدعي دراسة أدق حسب الساعة والموقع الجغرافي.

مكسب اقتصادي ممركز نحو أوروبا

اقتصادياً، يمنح GMT+1 ساعة تداخل إضافية مع أوروبا القارية شتاءً، وهو ما يعزز عمل قطاعات مثل ترحيل الخدمات (BPO) والصناعات الموجهة للتصدير، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي يظل الشريك التجاري الأول للمملكة.

غير أن الدراسة تشير إلى أن هذا المكسب يقابله فقدان ساعة تداخل مع المملكة المتحدة والساحل الشرقي الأمريكي في بعض الفترات، ما قد يؤثر على استراتيجية تنويع الشركاء خارج الفضاء الأوروبي، لاسيما مع التحولات الرقمية التي تقلص أهمية التداخل الزمني البشري بفعل الأتمتة والعمل عن بُعد.

حجة الطاقة.. تجربة دولية مغايرة

تستحضر الورقة التجربة التركية التي ثبتت التوقيت الصيفي منذ 2016، حيث لم تثبت الدراسات وفورات طاقة تذكر، بل أشارت بعض الأبحاث إلى آثار اقتصادية سلبية.

كما أن دراسة أمريكية مرجعية وجدت زيادة في استهلاك الكهرباء السكني بنسبة 1% بعد اعتماد التوقيت الصيفي.

في المقابل، توصي American Academy of Sleep Medicine باعتماد التوقيت القياسي الدائم (Standard Time) باعتباره الخيار الأكثر توافقاً مع الساعة البيولوجية.

ثلاثة سيناريوهات أمام المغرب

تقترح الدراسة ثلاثة مسارات سياساتية:

1. العودة إلى توقيت غرينتش الدائم (GMT): مكسب صحي واجتماعي واضح، مع فقدان ساعة تداخل مع أوروبا شتاءً.

2. الإبقاء على GMT+1 مع إجراءات تخفيفية: مثل تأخير الدخول المدرسي شتاءً إلى التاسعة صباحاً، وتعزيز الإنارة والنقل المدرسي.

3. نظام موسمي جديد: العودة إلى تغيير الساعة مرتين في السنة بما يوازن بين الفوائد الصحية شتاءً والاقتصادية صيفاً، مع الإشارة إلى أن المجتمع العلمي يعتبره “أسوأ الخيارين” بسبب اضطراب النوم الدوري.

توصيات عملية وجدولة زمنية

تقترح الورقة حزمة توصيات قصيرة ومتوسطة المدى، من بينها؛ نشر الدراسة الحكومية لسنة 2018 التي استند إليها قرار التثبيت، وإتاحة بيانات الحوادث والحمل الكهربائي الساعي للباحثين، وكذلك تكليف جهة وطنية مستقلة بإنجاز دراسة كلفة/منفعة شاملة، وأيضا إجراء استشارة وطنية موسعة تقيس مؤشرات النوم والإرهاق والإحساس بالأمن، وإحداث آلية مراجعة دورية كل خمس سنوات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى