الفيضان الذي كشف عن وجه الدولة الواعية والمسؤولة

أميمة حدري: صحافية متدربة
حين انقضت السماء على القصر الكبير بأمطارها الطوفانية، لم تكن المياه وحدها هي التي غمرت الشوارع والبيوت، بل انكشف معها معيار الدولة الحقيقية: هل تتحرك بعد الكارثة أم قبلها؟ في هذه المدينة، ثبت المغرب أن الجواب ممكن وموجود. لم يعد المواطن مجرد متفرج على أحداث الطقس، بل أصبح محور التفكير، وغاية التدبير، وسبب التحرك قبل أن يفرض الخطر نفسه.
هذه الأمطار، التي تلتها عمليات إخلاء دقيقة، واستنفار الموارد وتأمين الممتلكات، وصولا إلى التواصل المستمر مع السكان، لم تكن مجرد حادث طبيعي، بل كانت اختبارا لعقيدة جديدة، لعقلية تدبير استباقي تتحدى الارتجالية وتعلن بداية عصر جديد في علاقة الدولة بمواطنيها.
هنا يصبح الرأي هنا أكثر من مجرد تحليل، إنه دفاع عن فكرة واضحة، أن الدولة الاستباقية ضرورة وجودية، وأن حماية الإنسان وصون كرامته يجب أن تكون المبدأ الأول في كل قرار إداري أو سياسي.
السلطات في القصر الكبير، لم تنتظر أن تتراكم المياه على أبواب المنازل لتتحرك، بل فعلت ما يجب أن يكون القاعدة، استشراف الخطر، تخطيط دقيق، وتنفيذ عاجل.
عمليات الإخلاء المنظمة، تأمين الممتلكات، استنفار الموارد اللوجستية، التواصل المستمر مع الساكنة.. كلها علامات على دولة لا تتصرف بعفوية، بل بمنطق مؤسساتي يضع الإنسان في مركز الأولويات. هذا الأداء ليس مجرد نجاح ميداني، بل هو إعلان عن دولة تغير من قواعد اللعبة، دولة تفكر قبل أن تتصرف، وتتصرف قبل أن يحتم عليها الحدث.
الدرس الأكبر الذي تقدمه تجربة القصر الكبير، ليس في النجاة من فيضان مؤقت، بل في إثبات أن الاستباقية يمكن أن تتحول إلى قاعدة عامة، وأن ما نعتبره أحيانا استثناء محمودا، يمكن أن يصبح نموذجا يوميا للتدبير الحكومي.
تماما، كما تحولت الروح الرياضية المغربية إلى مصدر فخر وطني، يمكن للروح الإدارية الاستباقية أن تصنع فخرا مواطنا، يعي دوره في بناء وطن أكثر أمانا وعدلا وكفاءة.
الدولة التي تحمي مواطنيها قبل أن يتعرضوا للخطر، هي الدولة التي تستحق ثقة الشعب، وهي الدولة التي تستطيع أن تبني مستقبلا أكثر استقرارا وازدهارا.
إن الدفاع عن الاستباقية هنا هو دفاع عن حياة الإنسان وكرامته، عن فكرة أن الدولة ليست آلة بيروقراطية جامدة، بل كيان حي يتنفس مع شعبه، يستشرف المستقبل ويصنع الأمان قبل أن يطال الخطر.
ما تحقق في القصر الكبير تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، يجب أن يكون نموذجا يحتذى به في كل جهة من المملكة المغربية، في الجبال عند تساقط الثلوج، في القرى النائية عند الحر الشديد، وفي الإدارات العمومية عند تقديم الخدمات، لتنتقل الدولة من مجرد رد الفعل إلى الفعل المبادر والمخطط بعناية.
إن النجاح الذي سجلته القصر الكبير هو برهان ساطع على أن الدولة المغربية قادرة على حماية مواطنيها، وعلى أن الاستباقية ليست خيارا، بل واجبا دستوريا وأخلاقيا، وأنه يجب تحويل هذه التجربة من استثناء إلى قاعدة عامة، ليصبح المغرب وطن المبادرة والحماية والتخطيط، كما أصبح وطن الإنجاز والفخر على أرض الملاعب.





