القطاع الصحي الخاص يعمق استنزاف صناديق التأمين ويكرس اختلالات المنظومة

فاطمة الزهراء ايت ناصر
يهيمن القطاع الصحي الخاص على نفقات التأمين الصحي، مستنزفا سنويا ملايير الدراهم من صناديق تعاني أصلا من اختلالات بنيوية وتراجع في توازناتها المالية، وفق ما كشفه التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024–2025.
وأشار التقرير إلى أن المصحات والعيادات الخاصة رفعت حصتها من نفقات التأمين الصحي المفوترة إلى 91 في المائة خلال سنة 2024، مقابل 9 في المائة فقط للقطاع العام، ما يعكس اتجاها متزايدا نحو العلاج في المؤسسات الخاصة.
وتظهر المعطيات تفاوتات أكبر بين أنظمة التأمين، إذ تتجه 97 في المائة من نفقات نظام التأمين الخاص بأجراء القطاع الخاص ونظام أمو عمال غير الأجراء نحو القطاع الخاص.
أما نظام أمو تضامن فتبلغ حصة القطاع الخاص فيه 79 في المائة، فيما تصل إلى 95 في المائة بالنسبة للأنظمة التي يشرف على تدبيرها الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي.
ويرى المجلس أن هذا الوضع يسهم في ارتفاع كلفة العلاج ويحد من قدرة القطاع الصحي العمومي على الاستثمار وتحسين جودة خدماته، في ظل استنزاف متواصل لموارد صناديق التأمين.
كما سجل تدهور مستمر في الوضعية المالية لمجمل الأنظمة نتيجة الارتفاع المتسارع لنفقات التعويضات بوتيرة تفوق نمو الاشتراكات، ما أدى إلى عجز حاد في الأرصدة التقنية والإجمالية لعدد منها.
ويستحوذ القطاع الخاص، الذي يشغل أكثر من نصف أطباء المغرب ويعرف توسعا مطردا، على الجزء الأكبر من التعويضات المؤداة في إطار نظام التأمين الخاص بأجراء القطاع الخاص، والتي بلغت 7,93 مليار درهم سنة 2024، إضافة إلى تعويضات نظام التأمين الخاص بموظفي القطاع العام التي وصلت إلى 7,62 مليار درهم خلال الفترة نفسها.
كما رصد التقرير نموا متسارعا في نفقات الأنظمة الجديدة، حيث تضاعفت مصاريف نظام أمو عمال غير الأجراء أكثر من ثلاث مرات، منتقلة من 526 مليون درهم سنة 2022 إلى 1,75 مليار درهم سنة 2024.
وبلغت نفقات الخدمات الصحية ضمن نظام أمو تضامن 7,68 مليار درهم سنة 2024 مقابل 5,23 مليار درهم سنة 2023، فيما وصلت نفقات التعويضات في نظام أمو الشامل إلى 587,5 مليون درهم.
وسجل المجلس استمرار المنحى التصاعدي لنفقات خدمات التأمين، التي ارتفعت إلى 24,95 مليار درهم سنة 2024، بزيادة قدرها 83 في المائة مقارنة بسنة 2022، وهو ما يشكل ضغطاً متزايداً على التوازنات المالية لهذه الأنظمة وقد يهدد استدامتها.
وتتركز النفقات أساسا في ثلاثة مجالات للرعاية الصحية، تتصدرها الأدوية بنسبة 30,4 في المائة من مجموع نفقات أنظمة التأمين التي يدبرها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تليها الاستشفاءات الجراحية بنسبة 18 في المائة، ثم تصفية الدم بنسبة 11,54 في المائة، مع تسجيل وضع مماثل تقريباً لدى الأنظمة التي يدبرها كنوبس.
ومن جهة أخرى، أظهرت دراسة تغطية مصاريف العلاجات أن العبء المالي المتبقي على عاتق المؤمنين لا يزال مرتفعاً، إذ بلغ سنة 2024 نحو 34 في المائة من المبلغ المفوتر من طرف مقدمي الخدمات الصحية، ويرتفع بشكل أكبر عند علاج الأمراض المزمنة والمكلفة، حيث قد يتجاوز 47 في المائة.
وشدد التقرير على أن استمرار توجيه معظم نفقات التعويض عن المرض نحو القطاع الخاص يستدعي التعجيل بإصلاح وتطوير عرض العلاجات في القطاع العام، عبر تحسين جودة الخدمات وتعزيز الولوج إليها ورفع مستوى جاذبيتها.
كما نبه إلى أن هذا الوضع يحرم المؤسسات الصحية العمومية من موارد مالية مهمة ويكرس اعتمادها المتزايد على الإعانات من ميزانية الدولة لضمان استمرارية خدماتها، ما ينعكس سلباً على مردوديتها ويضعف جاذبيتها.
وأشار المجلس الأعلى للحسابات إلى أن الدولة تتحمل في الوقت ذاته عبء تغطية جزء كبير من نفقات مؤسسات الصحة العمومية لتعويض ضعف مداخيلها الذاتية، إضافة إلى تحمل جزء من الالتزامات المالية المترتبة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، محذرا من أن هذا الالتزام المالي المزدوج قد يؤثر سلبا، على وجه الخصوص، على استدامة نظام أمو تضامن.





