الكوارث الطبيعية:هكذا تدار الأزمات بين حاضر وغائب وأصم وأبكم..فيضانات القصر الكبير نموذجا (ملف)


أعدته :بشرى عطوشي/فاطمة الزهراء آيت ناصر/أميمة حدري

بعد سنوات من الجفاف، هطل المطر أخيرًا! ولم يكن هطوله خفيفًا. فبما أنه قادم، فمن الطبيعي أن يترك أثره. لقد اعتادت البلاد على الجفاف، وتجاهلت العديد من الاحتياطات.

نعم، هطل المطر أخيرًا، ففاض نهر لوكوس، وأجبر السلطات على إخلاء مدينة بأكملها. في قصر الكبير، اضطر ما بين 108,000 و140,000 شخص إلى مغادرة منازلهم في الأيام الأخيرة.

حدث مناخي استثنائي تحول بسرعة إلى أزمة اجتماعية استثنائية بالمعنى الأسوأ للكلمة.

التضامن تضامن

بالموازاة مع التدخلات الميدانية للقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والوقاية المدنية والأمن الوطني والسلطات العمومية، وذلك تنفيذا للتعليمات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، برز تضامن واسع لعموم المواطنين، الذين انخرطوا بشكل تلقائي في دعم جهود مساندة المتضررين.

ومع الارتفاع الكبير لمنسوب المياه نتيجة التساقطات المطرية الغزيرة، بادر عدد من المتطوعين، من أبناء المدينة ومن مناطق أخرى، إلى الانخراط في عمليات إنقاذ السكان المتضررين.

ولم يقتصر هذا التضامن على عمليات الإنقاذ فقط، بل امتد ليشمل مبادرات إنسانية متعددة، تمثلت في توفير الأكل والمياه، إذ تكفلت جمعيات مدنية ومتطوعون بإعداد وتوزيع وجبات غذائية لفائدة الأسر المتضررة.

ومع صدور قرار ترحيل سكان المدينة مؤقتا، برزت أشكال جديدة من التضامن، تمثلت في مبادرات فردية أطلقها مواطنون من مدن أخرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عرضوا من خلالها استقبال الأسر المتضررة في منازلهم إلى حين تجاوز هذه الأزمة، مبادرات لاقت الكثير من التنويه.

 

تضامن مشروط

بالمقابل، هناك من كان يتربص وينتظر هذه الأزمات للمتاجرة بها، والربح من خلالها، على الرغم من أن المثل يقول يوم لك ويوم عليك.

بعض العائلات النازحة (بعضها فقد منازله وممتلكاته) وجدت نفسها نفسها في البلدات المجاورة تبحث عن مساكن مؤقتة.

ارتفعت الإيجارات بشكل جنوني. وانتشرت روايات عديدة عن ملاك عقارات وأصحاب متاجر قرروا أن يجعلوا هذه الحالة الطارئة ذريعة مثالية لرفع أسعارهم.

أسعار كراء سكن باهظة، وإيجارات تُحسب بالمتر، وارتفاع جنوني في أسعار الخبز والسلع الأساسية – كلها أدوات ل”مستغلي الأزمات” يعرضونها وهم مبتسمون ومستعدون لتحقيق أرباح طائلة!

أمام هذا الاستغلال، تحركت السلطات استجابةً لتصاعد الغضب الشعبي. وقد حذرت الحكومة علنًا المضاربين بالأسعار  بفرض عقوبات لمنع أن يصبح النهب هواية وطنية.

للأسف الأمر يعكس المفارقة المغربية بامتياز. كارثة طبيعية، يصفها البعض بالعاصفة التاريخية، ولتخفيف وطأتها، يبقى المتضرر بين واقعين لا يجتمعان: الهشاشة وجشع قلة من المستغلين. فبينما يتشارك البعض ما لديهم أو يفتحون أبوابهم مجانًا، يفرض آخرون أسعارًا باهظة مقابل المأوى المؤقت.

الدرك الملكي في فيضانات الشمال: جاهزية عالية وكفاءة ميدانية وجوية تحسم معركة الإنقاذ

شهدت مناطق واسعة من شمال المغرب خلال الأيام الماضية وضعاً استثنائياً بفعل فيضانات قوية تسببت فيها التساقطات الغزيرة وارتفاع منسوب الأودية وتحرير كميات كبيرة من المياه من بعض السدود، ما أدى إلى محاصرة دواوير بأكملها وعزل عدد من المناطق عن محيطها، وسط انهيار مسالك وطرق قروية وتوقف حركة المرور في عدة محاور حيوية. وفي قلب هذه الأزمة الطبيعية، برز الدرك الملكي كأحد أبرز المتدخلين ميدانياً، ليس فقط من خلال حضوره الأمني التقليدي، بل عبر تدخل متعدد الأبعاد جمع بين العمل البري والمائي والجوي، وهو ما جعل دوره يبدو واضحاً في لحظات كان فيها عنصر الزمن هو الفارق بين النجاة والخطر.

منذ الساعات الأولى لتفاقم الوضع، شرعت الوحدات البرية التابعة للدرك الملكي في التحرك نحو النقاط الأكثر هشاشة، حيث ركزت تدخلاتها على تأمين المناطق القريبة من الأودية والطرق المهددة بالانجراف، وتنظيم عمليات الإجلاء الوقائي في القرى والأحياء المعرضة لخطر الفيضانات. وتم تسجيل حضور ميداني مكثف لعناصر الدرك في محاور رئيسية لتوجيه حركة السير ومنع المواطنين من المجازفة بالمرور عبر قناطر أو مسالك غير آمنة، مع تأمين المناطق التي شهدت انهيارات أو انقطاعات مفاجئة في الطرق. كما ساهمت هذه الوحدات في التنسيق مع السلطات المحلية لتجميع السكان في نقاط آمنة وإرشادهم نحو مراكز الإيواء المؤقتة، خاصة في الحالات التي تطلبت نقل الأطفال والمسنين والنساء في ظروف طارئة.

غير أن الطبيعة الخاصة للفيضانات التي اجتاحت عدة دواوير، حيث غمرت المياه مساحات شاسعة وحولت الطرق إلى مجارٍ مائية، جعلت التدخل البري وحده غير كافٍ. وهنا ظهر الدور الحيوي لفرق الدرك المائي، خاصة عناصر الغواصين والزوارق التي جرى توظيفها في المناطق التي استحال الوصول إليها بالسيارات أو الأقدام. فقد اضطلعت هذه الفرق بمهام دقيقة شملت تمشيط بعض النقاط المغمورة، واستكشاف المناطق التي يحتمل وجود عالقين فيها، والمساهمة في عمليات الإجلاء عبر وسائل عائمة قادرة على مواجهة تيارات قوية، وهي تدخلات لا تُنجز عادة إلا من طرف عناصر مدربة على العمل تحت ضغط كبير وفي بيئة محفوفة بالمخاطر.

لكن أبرز ما شد انتباه المواطنين ووسائل الإعلام على حد سواء، كان الحضور الجوي اللافت لمروحيات الدرك الملكي التي تحولت إلى ما يشبه “جسر الإغاثة” بين العالم الخارجي والمناطق التي أصبحت معزولة بالكامل. فقد لوحظت المروحيات وهي تنتقل بشكل متواصل بين عدة مناطق منكوبة، تؤدي مهام مركبة تجمع بين الإجلاء ونقل المساعدات الغذائية والمواد الأساسية، في وقت كانت فيه بعض الدواوير قد فقدت القدرة على التزود بالمؤن بسبب انقطاع الطرق وانهيار المسالك الجبلية أو القروية.

وتظهر خصوصية تدخل المروحيات في أن مهامها لم تكن مجرد نقل سريع أو تحليق استعراضي، بل كانت عمليات دقيقة تتطلب مهارة عالية في القيادة الجوية، حيث تم تسجيل حالات قامت فيها المروحيات بإنزال المواد الغذائية في نقاط قريبة جداً من سطح الأرض، مع الحفاظ على ثبات ملحوظ لمدة طويلة رغم الظروف الجوية والاضطرابات الهوائية التي ترافق عادة التحليق المنخفض فوق مناطق مغمورة بالمياه. هذا النوع من المناورات لا يمكن اعتباره عملاً عادياً، لأنه يتطلب توازناً استثنائياً من الربابنة وقدرة على التحكم في المروحية في وضعيات حساسة، فضلاً عن التنسيق الدقيق بين الطاقم الجوي والعناصر الأرضية التي تتولى استقبال المؤن أو تنظيم عملية التسليم.

كما أن إنزال المساعدات في ظروف الفيضانات يختلف تماماً عن الإنزال في الظروف العادية، لأن المروحية غالباً ما تعمل فوق مساحات غير مستقرة، وقد تضطر إلى الاقتراب من مناطق ذات تضاريس غير واضحة بسبب الغمر، أو التحليق قرب تجمعات سكنية لا تتوفر على فضاءات هبوط آمنة، وهو ما يجعل أي خطأ بسيط مكلفاً. ومع ذلك، بدا واضحاً أن أطقم الدرك الملكي الجوية كانت تشتغل وفق بروتوكولات احترافية صارمة، وأن الربابنة يتمتعون بتكوين عالي المستوى يسمح لهم بالتحليق بثبات دقيق، وضبط الارتفاع، والتحكم في المروحية أثناء الإنزال أو الاقتراب، وهو ما أكسب عمليات الإغاثة سرعة وفعالية غير مسبوقة.

ولم تقتصر تدخلات المروحيات على إيصال المواد الغذائية فقط، بل امتدت إلى نقل الحالات المستعجلة التي لم يكن بالإمكان إسعافها بوسائل تقليدية، خاصة في ظل عجز سيارات الإسعاف عن عبور الطرق المقطوعة. كما ساهمت المروحيات في إجلاء أسر محاصرة عندما أصبح الخروج البري مستحيلاً، وهو ما جعل تدخلها أشبه بخط إنقاذ أخير في مناطق كانت مهددة بتفاقم الوضع في أي لحظة. وفي عدة مشاهد وثقها السكان، ظهرت المروحيات وهي تواصل التحليق في دورات متتابعة بين المراكز الحضرية والدواوير المنكوبة، بما يعكس جاهزية لوجستيكية كبيرة وتعبئة مستمرة لأطقم الطيران والدعم التقني.

ويجمع متابعون على أن ما ميز تدخل الدرك الملكي في هذه الفيضانات هو الجمع بين السرعة والانضباط والقدرة على التكيف مع الوضع المتغير، فالمشهد لم يكن مجرد تدخل تقليدي لجهاز أمني، بل تدخل لوحدات متعددة التخصصات تعمل بمنطق فرق الطوارئ. فالتدخل البري كان يؤمن الممرات ويضبط حركة السير ويواكب عمليات الإجلاء، والتدخل المائي كان يشتغل في النقاط المغمورة ذات الخطر المرتفع، بينما كان التدخل الجوي هو العامل الحاسم في الوصول إلى المناطق المعزولة وإيصال الغذاء والإغاثة في الزمن المناسب.

وإذا كانت الفيضانات قد كشفت هشاشة بعض البنيات التحتية والمسالك القروية، فإنها في المقابل أبرزت مستوى الاستعداد الذي يتوفر عليه الدرك الملكي في تدبير الكوارث الطبيعية، خصوصاً على مستوى الطيران. فالكفاءة التي لاحظها المواطنون في ثبات المروحيات عند التحليق المنخفض، وفي دقة الإنزال، وفي استمرار العمليات لساعات طويلة دون ارتباك، تعكس تكويناً احترافياً وتدريباً مكثفاً على المناورات الدقيقة، كما تعكس جاهزية تقنية ولوجستيكية تتيح تعبئة الموارد بسرعة كبيرة عند وقوع الأزمات.

سيول الشمال..بين الغرق والنجاة نظام يعمل بالذكاء الاستباقي ( تقرير)

لقد كانت مروحيات الدرك الملكي في هذه الفيضانات أكثر من مجرد وسيلة نقل، بل تحولت إلى أداة إنقاذ وإمداد وطمأنة، تعبر سماء المناطق المنكوبة لتؤكد أن هناك جهازاً يعمل في صمت وصرامة، ويضع حياة المواطنين فوق كل اعتبار. وفي زمن تتزايد فيه الكوارث الطبيعية وتتعقد التحديات المناخية، تبدو مثل هذه التدخلات نموذجاً واضحاً لكيفية اشتغال المؤسسات الأمنية والعسكرية حين تتحول من مهامها العادية إلى مهام إنسانية عاجلة، تتطلب مهارة وشجاعة وتنسيقاً عالياً، وهي عناصر اجتمعت في تدخلات الدرك الملكي بشمال المغرب بشكل لافت ودقيق.

 

شركات التأمين بالمغرب.. منظومة “تأخذ ولا تعطي” تحت غطاء القانون: هل نحن أمام كارتيل ينهب جيوب المواطنين؟

أصبحت شركات التأمين بالمغرب، في نظر شريحة واسعة من المواطنين، جزءًا من معادلة اقتصادية غير متوازنة تقوم على التحصيل المنتظم للأقساط والرسوم، مقابل تعويضات محدودة أو شبه غائبة عند وقوع الحوادث أو الكوارث. فبينما يفترض أن يكون التأمين آلية لحماية الأفراد والممتلكات وتخفيف آثار المخاطر، باتت الممارسات اليومية تكشف عن واقع مختلف: منظومة تشتغل بمنطق الربح الصافي، حيث يدفع المؤمن باستمرار، لكنه عندما يحتاج إلى حقه يجد نفسه أمام شروط معقدة ومساطر طويلة وأبواب موصدة.

هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كان قطاع التأمين بالمغرب لا يزال يؤدي وظيفته الاجتماعية، أم أنه انزلق إلى نموذج يشبه الاحتكار المقنع، أو ما يمكن وصفه بكارتيل مالي يراكم الأرباح عبر استغلال ضعف المواطن أمام عقود غير متكافئة، وغياب رقابة صارمة تفرض على الشركات احترام روح التأمين بدل الاحتماء بحرفية النصوص التنظيمية.

التأمينات..مجبر أخاك لا بطل

المواطن المغربي لا يدخل سوق التأمين باعتباره زبونًا حرًا في أغلب الحالات، بل باعتباره طرفًا مجبرًا، خصوصًا في التأمين الإجباري على السيارات. فهو ملزم قانونيًا بالتوفر على بوليصة تأمين، ويواجه مخالفة أو توقيفًا أو إجراءات زجرية إن لم يكن ملتزمًا. غير أن هذه الإلزامية التي تمارسها الدولة على المواطن لا تقابلها بالضرورة إلزامية مماثلة تُفرض على الشركات في أداء التعويضات بشكل سريع ومنصف، مما يجعل المواطن عالقًا بين سلطة تضبطه بقوة القانون، وشركات تتنصل منه بقوة الشروط.

وتبرز المفارقة أكثر في الحالات التي تكثر فيها الأعذار المرتبطة برفض التعويض، مثل الحوادث الناتجة عن الاصطدام بحيوان، أو عمود إنارة، أو أضرار سببها رداءة الطريق، أو تلف منقولات داخل السيارة، أو خسائر فلاحية مرتبطة بعوامل مناخية. فبدل أن تتحول شركة التأمين إلى طرف يخفف عن المؤمن أثر الصدمة والخسارة، تتحول في كثير من الحالات إلى خصم قانوني يبحث عن منفذ للتهرب، أو على الأقل للتأخير، عبر إجراءات مرهقة تجعل المؤمن يستنزف نفسيًا وماليًا قبل أن يصل إلى حقه أو يتنازل عنه.

الأكثر إثارة للقلق أن هذه الممارسات تتزامن مع استمرار اقتطاع ما يسمى بمساهمة الكوارث الطبيعية ضمن عقود التأمين، وهي مساهمة يتم دفعها بشكل شبه آلي من طرف المؤمنين، لكنها لا تُترجم في الواقع إلى تعويضات ملموسة في حجم الكوارث التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، من فيضانات وانهيارات وتضرر أراضٍ زراعية وخراب ممتلكات. وهنا يظهر تناقض صريح بين ما يُقتطع من جيوب المواطنين باسم التضامن، وبين ما يحصلون عليه عند وقوع الضرر.

هذا الوضع يدفع إلى طرح تساؤلات ثقيلة حول مصير هذه الأموال، وآليات صرفها، وحجم الملفات المقبولة والمرفوضة، ومعايير الاستفادة الفعلية. فحين تغيب الشفافية، يصبح المواطن أمام قناعة متزايدة بأن مساهمة الكوارث الطبيعية ليست سوى بند مالي إضافي يغذي أرباح المنظومة، دون أن يعكس الغاية التي وضع من أجلها.

ومع تكرار الأعذار نفسها بين مختلف الشركات، يصبح التشابه في السلوك أقرب إلى نمط منسق أو على الأقل إلى ثقافة قطاعية مشتركة قوامها التضييق على التعويضات، بدل التنافس الحقيقي على خدمة الزبون. وهو ما يعزز الانطباع العام بأن السوق لا تشتغل بمنطق المنافسة التي تفرض تحسين الجودة، بل بمنطق غير معلن يجعل المؤمن الحلقة الأضعف دائمًا، ويجعل التعويض قرارًا صعب المنال بدل أن يكون حقًا مضمونًا.

التأمين على المخاطر..فراغ رقابي لحماية المواطن

في خضم هذا الواقع، يخطئ من يعتقد أن مراقبة التأمين مرتبطة بالسلطات الأمنية أو بالمراقبة الطرقية. فالأمن يراقب فقط وجود الوثيقة التأمينية باعتبارها شرطًا قانونيًا للسير، لكنه لا يملك سلطة على قرارات الشركات ولا على ملفات التعويض. وهذا يعني أن المواطن يخضع للمراقبة الصارمة من جهة، بينما يبقى في مواجهة فراغ رقابي عملي من جهة أخرى عندما يتعلق الأمر بإنصافه بعد وقوع الضرر.

 

المسؤولية المباشرة في مراقبة قطاع التأمين بالمغرب تقع على هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، باعتبارها الجهة التنظيمية المخولة قانونيًا لتقنين القطاع وضمان احترام الشركات لالتزاماتها. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في وجود هذه الهيئة، بل في مدى نجاعة تدخلها من زاوية حماية المؤمن لهم، وليس فقط من زاوية مراقبة التوازنات المالية للشركات. لأن جوهر الأزمة ليس في قدرة الشركات على دفع التعويضات، بل في مدى رغبتها في ذلك، ومدى صرامة العقوبات التي تواجهها عندما تتعمد التسويف أو الرفض غير المبرر.

التأمين..خبراء وتقنيون في خدمة شركات التأمين

الواقع أن المواطن يجد نفسه في معركة غير متكافئة. فالشركة تتوفر على خبراء قانونيين وتقنيين وتقارير خبرة وشبكة مصالح، بينما المؤمن لا يمتلك إلا شكواه، وفي كثير من الأحيان لا يستطيع تحمل كلفة التقاضي ولا زمنه الطويل. وهكذا يصبح اللجوء إلى القضاء خيارًا مرهقًا ومكلفًا، ما يدفع الكثير من المتضررين إلى القبول بالأمر الواقع أو إلى تسويات مجحفة بدل الاستمرار في النزاع.

ومن هنا تتضح ملامح نظام يشبه الاستنزاف البطيء: المؤمن يدفع باستمرار، وحين يتضرر يواجه عراقيل تجعل الوصول إلى التعويض شبه مستحيل، أو يجعله يصل إليه بعد زمن طويل وبقيمة أقل بكثير من الضرر الحقيقي. وهو ما يحول التأمين من عقد ثقة إلى عقد شك دائم، ومن خدمة حماية إلى عبء اقتصادي إضافي.

إصلاح هذا الوضع لا يمكن أن يتم عبر دعوات عامة أو وعود إعلامية، بل يحتاج إلى مراجعة جذرية للمنظومة القانونية والتنظيمية التي تسمح بوجود بنود تعجيزية تُستعمل ضد المؤمن، كما يحتاج إلى فرض عقود أكثر وضوحًا تمنع التأويل الواسع، وتلزم الشركات بالتعويض في الحالات التي تكون فيها المسؤولية واضحة دون ربطها بمزاجية الخبرة أو بتقارير تُكتب بمنطق يغلب مصلحة الشركة.

كما أن أحد أهم مداخل الإصلاح يكمن في إعادة النظر في منظومة الخبرة، لأن التقارير التقنية أصبحت في كثير من النزاعات بوابة لإسقاط الحق أو تقليصه، مما يفرض التفكير في آلية خبرة مستقلة، أو نظام خبرة مزدوج يضمن التوازن والحياد.

أما فيما يتعلق بمساهمة الكوارث الطبيعية، فإن استمرار اقتطاعها دون شفافية كاملة يضرب جوهر الثقة في المؤسسات، لذلك يصبح من الضروري فرض تقارير سنوية منشورة للرأي العام تتضمن حجم الأموال المحصلة، وحجم التعويضات المؤداة، وعدد الملفات المقبولة والمرفوضة وأسباب الرفض، حتى لا يبقى المواطن أمام مساهمة غامضة لا يعرف أين تنتهي.

ولا يقل أهمية عن ذلك خلق آليات استعجالية لفض النزاعات التأمينية خارج بطء القضاء التقليدي، عبر مساطر إلزامية وسريعة تفرض على الشركات احترام آجال محددة في الرد والتعويض، مع تفعيل غرامات صارمة ضد التأخير غير المبرر. لأن غياب الردع الحقيقي يجعل التماطل سلوكًا مربحًا، ويجعل الشركة تراهن على أن المواطن سيتعب ويتنازل في النهاية.

التأمين..أزمة ثقة في غياب حماية للمواطن المتضرر

إن الخلاصة التي تفرض نفسها اليوم هي أن قطاع التأمين بالمغرب يعيش أزمة ثقة متصاعدة، سببها أن المواطن يشعر بأنه يُجبر على الدفع تحت طائلة القانون، بينما لا يجد الحماية نفسها عندما يقع الضرر. ومع تزايد الكوارث الطبيعية وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن استمرار هذا الوضع قد يتحول إلى قنبلة اجتماعية صامتة، لأن التأمين حين يفقد معناه يتحول إلى مجرد جباية مقنّعة.

إن التأمين ليس تجارة عادية، بل عقد قائم على الثقة والتوازن، وأي منظومة تُفرغ التعويض من محتواه تتحول تلقائيًا إلى نظام “يأخذ ولا يعطي”، وهو ما يستدعي إصلاحًا عميقًا يبدأ من الرقابة الصارمة، ويمر عبر الشفافية، وينتهي بإعادة الاعتبار لحق المواطن باعتباره الطرف الذي يدفع باستمرار ولا يجب أن يُترك وحيدًا عند وقوع الخطر

 

الحاضر الغائب والأبكم الأصم..الفيضانات خارج السياسة المائية

راهنت البرامج التي وضعت أمام الحكومة على “الطريق السيار المائي” باعتباره إنجازا استراتيجيا للأمن المائي، فالمشروع وأهدافه الحقيقية وحدوده التقنية ثم وضعه في سياقه السياسي والمؤسساتي مع العودة إلى السياسات العمومية في المجال بعيدا عن الانطباعات المتداولة.

“الطريق السيار المائي” لم يُصمَّم أصلا كأداة لمواجهة الفيضانات. فالمشروع، الذي انطلقت أشغاله نهاية سنة 2022 يندرج ضمن سياسة تحويل المياه بين الأحواض لمواجهة الجفاف وضمان التزويد بالماء الشروب خصوصا لمحور الرباط–الدار البيضاء إذ قدم المشروع كحل استعجالي لتفادي أزمة عطش كانت تهدد أكثر من حوالي 12 مليون مغربي.

إدارة الأزمات والكوارث الطبيعية..حضور ملحوظ لأجهزة الدولة وصمت نسبي للحكومة

المشروع يتكون تقنيا وفي مرحلته الأولى من قناة فولاذية بطول يقارب 66 كيلومترا، تنقل المياه من حوض سبو نحو سد سيدي محمد بن عبد الله بحوض أبي رقراق والصبيب المعلن للتشغيل الكامل لا يتجاوز 15 مترا مكعبا في الثانية، أي ما يعادل في أحسن الأحوال 350 إلى 400 مليون متر مكعب سنويا، وفق المعطيات التي قدمها وزير التجهيز والماء نزار بركة وبالتالي فإن الأرقام، رغم ضخامتها في سياق تأمين الماء الشروب، تبقى محدودة جدا أمام ذروة فيضانية لوادٍ مثل اللوكوس، حين تتدفق كميات هائلة في وقت قصير وتتجاوز قدرة أي قناة تحويل مصممة للاشتغال المنتظم لا الطارئ.

المؤسف هو أن مدينة “القصر الكبير” ليست ضمن مجال اشتغال المشروع أصلا، فالطريق السيار المائي كما هو منفذ حاليا لا يربط حوض اللوكوس بأي حوض آخر ولا يتقاطع مع مجراه ولا يوفر أي آلية لتخفيف الضغط عنه عند بلوغ السدود حدها الأقصى.

 

الربط الذي يجري الحديث عنه في التصريحات الحكومية يخص سبو، أبي رقراق، ثم لاحقا أم الربيع، بينما ظل حوض اللوكوس خارج التنفيذ الفعلي، ولم يظهر إلا في دراسات أولية جرى الحديث عنها في 2025، وتسلط الضوء عن “مشروع في طور الدراسة” لربط أحواض لاو–لوكوس–سبو، دون أي جدول زمني أو التزام مالي واضح.

من أمطار نافعة إلى أمطار تستدعي مزيدا من الحذر

إذا في فيضانات القصر الكبير لم تملك الحكومة أداة جاهزة لتحويل مياه اللوكوس والسياسة المائية التي يشتغل عليها نزار بركة وزير التجهيز والماء،تركزت فقط على نقل الماء حيث الحاجة الاقتصادية والديمغرافية القصوى، ولم تركز على الخطر الهيدرولوجي الأكبر.

فلماذا لم تُدمَج الفيضانات ضمن قلب السياسة المائية؟ فالقانون 36.15 المتعلق بالماء والمخطط الوطني للماء ووثائق وكالات الأحواض، تركز بشكل شبه حصري على التخزين، التعبئة، والتوزيع أما تدبير الفيضانات، فيُختزل غالبا في منطق السلامة الإنشائية للسدود.

مخططات تخزين المياه، غاب عنها بأن المناخ يعرف تقلبات لا يمكن للوزير أن يفهمها، ولا يمكن للحكومة ككل أن تستشعرها إلا ب”الفهامة” واليقظة، أمر لم تتداركه الحكومة وهو أن التقلبات تعني ستنقلب الأجواء مرة جفاف ومرة أمطار وسيول.

المنتخبون بدورهم في الجماعات، لازالو منغمسون في التقليدانية، السوق الأسبوعي، ترقيع الطرق، تزفيت الطرق، الدورات العادية والدورات الاستثنائية، عقارات الجماعة أسواق الجملة وغيرها من المشاريع الكلاسيكية، بعيدا عن التفكير في مدن مستقبلية والبحث عن سبل تمويل والبحث مع مهندسي الجماعات في كل ما يمكن أن يعود بالنفع على المواطن، إلا أن البحث عن الأصوات لتمرير مشروع يعود بالنفع على رئيس الجماعة أهم بكثير من البحث عن المستقبل الذي يفيد الجماعة ويفيد المواطن المغربي.

 

أي دور للمجتمع المدني في رسم سياسة وطنية شاملة للتدخل عند الكوارث الطبيعية؟

أميمة حدري

لم تعد الكوارث الطبيعية، في سياق التحولات المناخية المتسارعة، مجرد أحداث عابرة تختزل في أرقام الخسائر وصور الدمار، بل أضحت لحظات كاشفة لعمق العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولمدى جاهزية النسيج المدني للاضطلاع بأدواره في زمن الشدائد. ففي كل أزمة كبرى، ينكشف معدن المجتمعات، وتتحدد قدرة الفاعلين، الرسميين والمدنيين، على الانتقال من رد الفعل الآني إلى الفعل المنظم، ومن الاندفاع العاطفي إلى التدبير الرشيد والمسؤول.

وفي المغرب، حيث تتقاطع قيم التضامن المتجذرة في الوعي الجماعي مع تحولات مؤسساتية متواصلة، يبرز المجتمع المدني بوصفه أحد الأعمدة الصامتة في معادلة تدبير الأزمات. فالجمعيات، بما تملكه من قرب اجتماعي ومعرفة ميدانية وحس إنساني، لم تعد مجرد فاعل ثانوي يستدعى عند الحاجة، بل أصبحت حلقة وصل حاسمة بين الدولة والمواطن، وصوتا مكملا للفعل العمومي في لحظات الاختبار القصوى.

من التضامن العفوي إلى الفعل المنظم

وكشفت الأزمات المتعاقبة، من زلازل وفيضانات وسيول، أن التضامن الشعبي وحده، مهما كان صادقا وعفويا، لا يكفي لمواجهة الكوارث بأبعادها المعقدة، وأن العمل المدني لا يحقق نجاعته القصوى إلا حين يتحول من مبادرات مشتتة إلى فعل مؤطر، مندمج في رؤية وطنية شاملة، تقوم على التنسيق، واحترام القانون، وتكامل الأدوار. ففي زمن الكوارث، لا مجال للعشوائية ولا للاجتهادات الفردية غير المحسوبة، بل تفرض اللحظة منطق التنظيم والانضباط، حماية للأرواح وصونا للكرامة الإنسانية

ولا يمكن الحديث عن دور المجتمع المدني في الأزمات، دون استحضار البعد القانوني والدستوري الذي يؤطر هذا التضامن ويمنحه صفة إلزامية، بعيدا عن الطابع التبرعي أو الاختياري. ففي قلب هذا النقاش يبرز الفصل 40 من دستور 2011 كمرجعية قانونية وأخلاقية، حيث ينقل “التضامن”من سياقه التبرعي إلى أفق “الواجب الدستوري الملزم”، وفق نصه الصريح: “على الجميع أن يتحمل بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”.

الفيضان الذي كشف عن وجه الدولة الواعية والمسؤولة

هذا النص لا يمنح المجتمع المدني دورا إضافيا فحسب، بل يؤطره في إطار قانوني وأخلاقي واضح، ويجعل من التضامن واجبا جماعيا وطنيا، بحيث تتحول روح المساعدة والتطوع إلى ممارسة منظمة ومسؤولة تساهم في حماية الأرواح والممتلكات، وتستجيب لمتطلبات الأمن الاجتماعي والوطني.

ويبقى السؤال الجوهري الذي تفرضه هذه التجربة الوطنية المتراكمة، هو كيف يمكن تحويل الطاقة الشعبية الهائلة للتضامن والتطوع في المغرب إلى قوة منظمة، مؤطرة، ومكونة، قادرة على الاشتغال بانسجام مع المؤسسات الرسمية، وتعزيز دور المجتمع المدني في حماية المواطنين قبل وقوع الكارثة وليس بعد وقوعها؟.

وفي جوابها على هذدا السؤال، أكدت لبنى العموري، الفاعلة الجمعوية ورئيسة جمعية لبنى العموري للأعمال الخيرية، أن جمعيات المجتمع المدني باتت تشكل “العين الثالثة” للسلطات العمومية ومؤسسات الدولة عند وقوع الكوارث الطبيعية، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تضطلع به في الميدان، سواء على مستوى القرب من الساكنة أو في ما يتعلق بالتدخلات الإنسانية والتطوعية والتضامنية.

وأوضحت العموري، في تصريح لـ “إعلام تيفي”، أن المجتمع المدني بالمغرب لم يكن، في السابق، منخرطا بشكل فعلي ومنظم في تدبير الكوارث الطبيعية، غير أن زلزال الحوز شكل نقطة تحول فارقة، إذ أتاح للجمعيات اكتساب تجربة ميدانية مهمة، وتراكم خبرة عملية في كيفية التعامل مع الأزمات والتدخلات الاستباقية، إلى جانب السلطات العمومية، التي قالت إنها تسهل عمل الجمعيات من مختلف الجوانب، سواء عبر توفير المعطيات الإحصائية أو الأرقام الدقيقة، أو من خلال التنسيق المباشر في الميدان.

دور السلطات والجمعيات في تعزيز نجاعة التدخلات

وشددت المتحدثة على أن عملية التواصل بين جمعيات المجتمع المدني والسلطات العمومية تتم اليوم بمستوى عال من التنسيق، بالنظر لما تضطلع به الجمعيات من دور محوري في التواصل مع الساكنة والمتضررين، ولا سيما الفئات الهشة من مسنين وغيرهم، مبرزة أن توزيع الأدوار واضح، حيث تضطلع السلطات بالدور التنفيذي، بينما تركز الجمعيات على البعد الإنساني والتطوعي والتضامني، بما يعزز نجاعة التدخلات ويحد من الارتباك.

وفي هذا السياق، أكدت العموري أن التنسيق المسبق مع السلطات، خاصة في ما يتعلق بالتراخيص، يظل عاملا أساسيا لتجنب العشوائية والفوضى، وضمان تنظيم العمل الميداني في إطار قانوني واضح ومسؤول، بما يخدم المصلحة العامة ويحمي التدخلات الإنسانية من أي انزلاقات.

وأبرزت الفاعلة الجمعوية أن المغرب، ملكا وشعبا، أبان عن مستوى عال من التضامن وروح المواطنة خلال زلزال الحوز، وهو ما مكن من بناء تجربة مهمة في التعامل مع الكوارث الطبيعية، معتبرة أن ما شهدته فيضانات القصر الكبير من استباقية في تدخل السلطات يعكس تطور آليات التدبير والتعامل مع الأزمات. مضيفة أن التدخلات الجارية حاليا، تحت التوجيهات الملكية السامية، تستحق كل التنويه والتثمين، مشيدة بالحكمة والعقلانية التي طبعت تدخلات السلطات والجيش المغربي والمجتمع المدني.

وأشارت العموري إلى أن فيضانات القصر الكبير مرت دون تسجيل خسائر في الأرواح، ودون مظاهر للفوضى، حيث جرت الأمور وفق وتيرة منظمة تعكس صورة مشرفة للمغرب، مؤكدة أن المملكة، كما عهدها الجميع، قادرة على تجاوز الأزمات بسلام وتماسك.

وبخصوص آفاق الإصلاحات القانونية والتنظيمية الكفيلة بتمكين المجتمع المدني من لعب دور أكثر نجاعة في تدبير الكوارث الطبيعية، شددت المتحدثة على ضرورة تسهيل مساطر التراخيص، بما يراعي طبيعة العمل الجمعوي القائم على السرعة في التدخل والفعالية في الاستجابة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أهمية احترام القانون، باعتباره الضامن الأساسي لإغلاق الباب أمام تجار الأزمات وكل أشكال العشوائية.

وفي هذا الإطار، نبهت العموري إلى أن المرحلة الراهنة، في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تشهد بروز فاعلين يركبون على موجة الأزمات بدافع الاسترزاق أو البحث عن نسب المشاهدة والتفاعل، معتبرة أن صرامة القانون وتطبيقه بصرامة يشكلان ضرورة لضرب كل أشكال التطفل على الميدان، وحماية العمل الإنساني من الاستغلال.

وعبرت المتحدثة عن استيائها الشديد من ظاهرة “تجار الأزمات”، الذين يستغلون مثل هذه الظرفيات لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، في وقت يعبر فيه المغاربة، ملكا وشعبا، عن أعلى درجات التضامن والتآزر في مواجهة الكوارث.

تدريب الشباب وإرساء شبكات تدخل محلية

وأكدت لبنى العموري أن فيضانات القصر الكبير أعادت إلى الواجهة الحاجة الملحة إلى إحداث شبكات تدخل محلية دائمة، تكون مدربة ومهيكلة للتعامل مع الكوارث الطبيعية، إلى جانب إرساء خلايا للإنصات، وتكوين الشباب المتطوعين داخل الجمعيات، خاصة في مجالات الإسعافات الأولية، والتواصل مع المواطنين، وتقديم الدعم النفسي والمواكبة الاجتماعية.

 

فيضانات القصر الكبير أعادت إلى الواجهة الحاجة الملحة إلى إحداث شبكات تدخل محلية دائمة

وشددت في هذا الصدد على أن الدعم النفسي يشكل إحدى الإشكالات المطروحة بقوة خلال الكوارث، سواء من حيث كيفية التواصل مع المواطنين أو شرح المخاطر المحدقة بهم، والتي قد تهدد سلامتهم وأرواحهم، داعية إلى إيلاء هذا الجانب أهمية خاصة ضمن برامج التكوين والتأهيل.

وختمت العموري بالتأكيد على ضرورة الاستثمار في تدريب وتكوين الشباب في مجال تدبير الكوارث الطبيعية، خاصة في ظل التحولات المناخية والاضطرابات الجوية التي تعرفها المملكة، معتبرة أن بناء قدرات بشرية مؤهلة، قادرة على التدخل السريع والفعال، يشكل ركيزة أساسية لتعزيز صمود المجتمع وضمان مواكبة نفسية وإنسانية تليق بحجم التحديات المطروحة.

إنه دور يتأسس على وعي جماعي بأن الكارثة ليست شأنا تقنيا صرفا، بل امتحان أخلاقي ومجتمعي، تقاس فيه قدرة المجتمع على التماسك، وعلى تحويل التضامن من فعل عاطفي لحظي إلى ممارسة مدنية واعية، تشتغل في انسجام مع الدولة، وتستمد مشروعيتها من خدمة الصالح العام في أدق لحظاته وأكثرها حساسية.

 

تدبير الكوارث الطبيعية في المغرب واستراتيجية الوقاية المستقبلية

فاطمة الزهراء آيت ناصر

عرف المغرب خلال تاريخه الحديث تكرار عدد من الكوارث الطبيعية، من زلزال الحوز إلى فيضانات طاطا وآسفي، وصولاً إلى الفيضانات التي يشهدها الغرب والشمال في الآونة الأخيرة. وغالباً ما تخلف هذه الأحداث خسائر بشرية ومادية جسيمة، وتكشف في كل مرة عن هشاشة واضحة في طرق الاستعداد والتعامل مع المخاطر الطبيعية. وقد شكلت الفيضانات الأخيرة، التي امتدت آثارها على رقعة جغرافية واسعة، مناسبة لإعادة طرح سؤال تدبير المخاطر، رغم ما رافقها من مظاهر تضامن مجتمعي قوية، سرعان ما تصطدم بواقع تدخلات آنية يغلب عليها منطق رد الفعل، في غياب رؤية استراتيجية بعيدة المدى قادرة على الانتقال من التدبير الاستعجالي إلى التخطيط الاستباقي المبني على الوقاية.

فالكوارث الطبيعية، بحكم طبيعتها، لا يمكن منع حدوثها، لكن يمكن التخفيف من آثارها عبر التكيف معها والاستعداد لها بشكل عقلاني ومنظم، وهذا الاستعداد لا يقتصر على البعد النفسي أو التضامني، بل يقتضي استثمارات مادية وبشرية طويلة الأمد، قائمة على التخطيط الجماعي والمؤسساتي، لأن حجم الخسائر غالبا ما يتجاوز قدرة الأفراد والجماعات المحلية على المواجهة. ومن هنا تبرز ضرورة إدماج تدبير المخاطر ضمن السياسات العمومية وبرامج التنمية، والاعتماد على مقاربات علمية تستفيد من البحث والتجارب الدولية، غير أن غياب إطار قانوني ملزم واستراتيجية وطنية متكاملة، تشمل الوقاية والاستعداد والتدخل والتعافي، يظل من أبرز نقاط الضعف، حيث تبقى المبادرات مشتتة وغير منسجمة.

ورغم توفر أغلب الأقاليم على لجان لليقظة الخاصة بالكوارث الطبيعية، فإن عددا من المدن ما يزال يسجل أضرارا كبيرة مع كل موجة سيول، رغم صدور نشرات إنذارية مسبقة أحيانا. ويعزى ذلك أساسا إلى ضعف التدخل الاستباقي، خاصة فيما يتعلق بصيانة وتنقية مجاري المياه وشبكات تصريف الأمطار، حيث يظل التدبير في كثير من الحالات محصورا في تدخلات بعدية تعتمد أساليب تقليدية لم تعد تواكب حدة الظواهر المناخية المتطرفة، مما يجعل المدن عرضة للاختناق المائي وتعطيل المرافق الحيوية. ويبرز في هذا السياق مطلب إرساء لجان يقظة فعلية على مستوى الجماعات الترابية، تعمل وفق مقاربات علمية حديثة، مع إدماج مخاطر السيول ضمن سياسات المدينة والتخطيط الحضري، والاستعانة بالتقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الاصطناعية.

وتكشف فيضانات طاطا، التي تعود ذكراها مع كل موسم مطري، عمق الاختلالات التنموية التي يعانيها الجنوب الشرقي، فبعد مرور أزيد من سنة على فاجعة 2024، ما تزال آثارها حاضرة في ظل تعاف بطيء وغير مكتمل، لتعود الأمطار الطوفانية في السنة الموالية وتعيد مشاهد العزلة وقطع الطرق وجرف السيارات، هذا التكرار يؤكد أن الدروس لم تستخلص، وأن البنيات التحتية الطرقية والمنشآت المائية ما تزال غير قادرة على الصمود، فضلا عن الأضرار البيئية والاجتماعية التي مست التربة والمحاصيل والماشية، وأدت إلى ترحيل عدد من الأسر، ما زاد من هشاشة سبل العيش في مناطق تعتمد أساساً على الفلاحة التقليدية.

محمد السيمو : ضمان سلامة المواطنين أولوية

ولمعرفة طريقة تعامل الجماعات مع هذا الكوارث الطبيعية أكد محمد السيمو، رئيس جماعة القصر الكبير، أنه تم إخلاء جميع مخيمات الإيواء بشكل احترازي في ظل الأوضاع الصعبة التي تعرفها المنطقة، مشيرا إلى أن التساقطات المطرية ، والتي وصلت إلى نحو 120 ملم، تثير مخاوف حقيقية، خاصة وأن الأرض مشبعة بالمياه والمدينة محاطة بها من مختلف الجهات.

وأوضح السيمو لـ“إعلام تيفي” أن هذا الوضع دفع السلطات إلى اتخاذ قرار ترحيل الساكنة نحو مدن مجاورة كإجراء وقائي، حيث تم نقل عدد من الأسر إلى العرائش وطنجة، مع فتح مختلف مدن الشمال أبوابها لاستقبال المتضررين.
كما أشار إلى أن مدنا مثل مرتيل وتطوان عبأت مخيماتها وفضاءاتها لاستقبال ساكنة القصر الكبير، في تجسيد واضح لروح التضامن.

تم نقل عدد من الأسر إلى العرائش وطنجة، مع فتح مختلف مدن الشمال أبوابه

لاستقبال المتضررين

ويأتي هذا التحرك في إطار تدابير استباقية تهدف إلى حماية الأرواح وتقليل المخاطر المحتملة، مع استمرار حالة التأهب لدى مختلف المصالح لمواكبة تطورات الوضع.
وتبقى الأولوية، بحسب المسؤول الجماعي، هي ضمان سلامة المواطنين وتوفير ظروف استقبال لائقة إلى حين تحسن الأحوال الجوية واستقرار الأوضاع.

سيدي قاسم وجه آخر من أوجه تضامن السلطات المحلية

وفي إقليم سيدي قاسم باشرت السلطات المحلية ، بتنسيق مع مختلف المصالح المعنية، سلسلة من التدخلات الميدانية الاستعجالية لمواجهة تداعيات الاضطرابات الجوية التي عرفتها عدد من الجماعات القروية، وذلك عبر تعبئة واسعة للموارد البشرية والوسائل اللوجستيكية قصد التخفيف من آثار هذه التقلبات على الساكنة المتضررة، خاصة بجماعة دار العسلوجي.
وفي هذا الإطار، تم إحداث ثلاث نقاط مخصصة لإجلاء واستقبال الساكنة في مناطق وصفت بالآمنة، شملت محور مشرع الردم، ومحور المريفد، إلى جانب محور مركز جماعة دار العسلوجي، التي تبعد بحوالي 12 كيلومترا عن مدينة سيدي قاسم، ما مكن من تسهيل عمليات التنسيق الميداني وتسريع وتيرة التدخل والاستجابة للحاجيات المستعجلة.

رئيس جماعة القصر الكبير يكشف لـ”إعلام تيفي” مستجدات استقرار المدينة وخطة إعادة الحياة إلى طبيعتها قبل رمضان

وهمت هذه التدخلات، وفق المعطيات المتوفرة، نصب خيم لإيواء الأسر المتضررة، فضلا عن توزيع مواد غذائية وحصص مهمة من الأغطية، في إطار تدخل إنساني يروم ضمان شروط إقامة مؤقتة تراعي الكرامة الإنسانية ومتطلبات السلامة الصحية، في انتظار تحسن الوضع وعودة الاستقرار إلى المناطق المتضررة.
كما جرى تسخير لوجستيك الجماعة الترابية، مدعوما بوسائل إضافية وفرتها عمالة إقليم سيدي قاسم، من أجل تأمين عمليات نقل الساكنة، وتوزيع الخيام على المحاور المحددة للإجلاء، وتنظيم عمليات الإيواء بشكل محكم، تحت إشراف مباشر من السلطات المحلية التي تواصل تتبع الوضع ميدانياً عن كثب.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن مقاربة استباقية وتضامنية تعتمدها السلطات الإقليمية للحد من انعكاسات التقلبات المناخية على الساكنة، وتعزيز الجاهزية الميدانية والتدخل السريع لحماية الأرواح والممتلكات، مع استمرار التعبئة والتنسيق بين مختلف المتدخلين لضمان الاستجابة الفورية لمختلف الحاجيات المطروحة.

وزارة الداخلية: استراتيجية استباقية 

وفي هذا الإطار، تؤكد وزارة الداخلية أن المغرب يعتمد استراتيجية وطنية مندمجة لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية، تقوم على الوقاية وتعزيز القدرة على الصمود، وقد تعزز هذا التوجه منذ زلزال الحسيمة سنة 2004، في إطار التوجيهات الملكية، من خلال اعتماد خطة عمل تمتد إلى أفق 2030، تشمل أخطاراً رئيسية كالزلازل والفيضانات وانجرافات التربة.

السلطات تضمن استمرارية الدراسة للتلاميذ المتضررين من الاضطرابات الجوية بالقنيطرة وسيدي قاسم

غير أن التحدي الحقيقي يظل في تنزيل هذه الاستراتيجية بشكل فعال على المستوى الترابي، عبر تحسين الحكامة، وتوضيح الأدوار، وتقوية قدرات الجماعات الترابية، حتى لا يتحول المطر، بما يحمله من خير، إلى مصدر خوف ومعاناة يتجدد مع كل موسم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى