المجلس الحكومي يواصل منطق التدبير التقني بعيداً عن النقاش المجتمعي

حسين العياشي

عقد مجلس الحكومة، يوم الخميس، اجتماعاً جديداً خُصص للمصادقة على حزمة من مشاريع القوانين والمراسيم، والاطلاع على اتفاق دولي، قبل المرور إلى التعيينات في مناصب عليا، في مشهد يعكس استمرار منطق التدبير التقني للملفات العمومية، دون أن يواكبه نقاش مجتمعي واسع حول رهانات هذه القرارات وانعكاساتها.

واستُهلت أشغال المجلس بالمصادقة على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي قُدم بعد إدخال تعديلات استجابت لبعض الملاحظات التي أُثيرت خلال مراحل سابقة من النقاش. غير أن اعتماد النص في هذه المرحلة يأتي في سياق ما تزال فيه فئات واسعة من المهنيين والمهتمين بإصلاح منظومة العدالة تطرح تساؤلات حول مدى استجابة المشروع لانتظارات المهنة، وحول قدرته على التوفيق بين تحديث الإطار القانوني وضمان شروط الاستقلالية والحماية المهنية.

وفي الاتجاه نفسه الذي يغلب عليه الطابع المؤسساتي، صادق المجلس على مشروع مرسوم يقضي بإحداث الأكاديمية المغربية لمهن الطيران وتنظيمها، في إطار الرهان على التكوين المتخصص لدعم قطاع يُصنف ضمن القطاعات الصناعية ذات الأولوية. ويُنتظر أن تتولى تدبير هذه المؤسسة شركة تُحدثها الخطوط الملكية المغربية، مع تركيز مهام الأكاديمية على التكوين التأهيلي والتكوين المستمر والتكوين قبل الإدماج المهني، بما يهدف إلى تزويد سوق الشغل بكفاءات تلبي حاجيات شركات الصيانة والخدمات المرتبطة بالنقل الجوي. ورغم وجاهة هذا التوجه من حيث المبدأ، يظل النقاش العمومي محدوداً حول حكامة هذا النموذج، وحول موقع التكوين العمومي في منظومة يشرف عليها فاعل تجاري.

وفي السياق ذاته، صادق المجلس على مرسوم يُحدث إتاوة عن الخدمات التي تقدمها مؤسسات التكوين الفندقي والسياحي لفائدة الإدارات والمؤسسات والغير، في خطوة تهدف إلى تقنين هذه الخدمات وضبط مواردها. غير أن هذا القرار يثير بدوره تساؤلات حول أثره على ولوج فئات أوسع إلى التكوين، وحول كيفية التوفيق بين منطق الخدمة العمومية ومتطلبات التمويل الذاتي للمؤسسات.

وعلى المستوى الخارجي، اطّلع مجلس الحكومة على اتفاق النقل الطرقي الدولي الموقع بين المغرب وأوكرانيا، ودرس مشروع القانون القاضي بالموافقة عليه، في إطار تعزيز التعاون الثنائي وتسهيل المبادلات. ورغم أهمية هذا النوع من الاتفاقيات في دعم التجارة والنقل، فإنها تمر غالباً في المسار التشريعي دون نقاش عمومي يوازي حجم تأثيرها المحتمل على القطاعات المهنية المعنية.

واختُتم الاجتماع بالمصادقة على سلسلة تعيينات في مناصب عليا بعدد من القطاعات الوزارية، شملت التعمير والتعليم العالي والتجهيز والتكوين المهني، في إطار تفعيل مقتضيات الفصل 92 من الدستور. وبينما يُفترض في هذه التعيينات أن تعكس اختيارات استراتيجية لتحسين الحكامة والنجاعة، فإنها تمر، في الغالب، باعتبارها إجراءات إدارية أكثر منها لحظات للمساءلة حول معايير الاختيار وحصيلة المسؤولين السابقين.

وبين مشاريع قوانين تقنية، ومراسيم تنظيمية، واتفاقيات دولية، وتعيينات إدارية، يواصل مجلس الحكومة الاشتغال بمنطق التدبير المؤسساتي الصرف، في وقت تتسع فيه الفجوة بين وتيرة اتخاذ القرار الرسمي ومستوى النقاش العمومي حول السياسات العمومية، وهو ما يطرح مجدداً سؤال المشاركة المجتمعية في صياغة الخيارات الكبرى، ومدى قدرة هذا النمط من التدبير على استعادة ثقة الرأي العام في مسار الإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى