انسحاب بلا مغادرة.. كيف يدير أخنوش الخلافة من خارج المؤتمر؟

حسين العياشي

ما يقوم به عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار المنتهية ولايته، لم يعد يُقرأ في خانة المناورة السياسية العابرة، بل بات أقرب إلى ممارسة وصاية كاملة على تنظيم يُفترض أن تحكمه قواعد داخلية ومساطر واضحة. فالإعلان عن عدم الترشح لولاية ثالثة يفقد الكثير من دلالته حين يُرافق بتمديد الهياكل، والإبقاء على مفاتيح القرار، والانخراط في بحث محموم عن “خَلَفٍ مضمون”. في هذه الحالة، لا يبدو الأمر انسحاباً منظماً من القيادة، بقدر ما يوحي بمحاولة محكمة لتأمين النفوذ بعد مغادرة الواجهة الشكلية.

معطيات متداولة من داخل كواليس الحزب تشير إلى أن التمديد لم يكن الإجراء الوحيد، بل تزامن مع ما يشبه “الخط الأحمر” غير المعلن الذي جرى رسمه أمام قياديين يُفترض فيهم الترشح الطبيعي لخلافة الأمين العام. رسائل ضبط وتحذير، وبيئة تنظيمية مغلقة، وطموحات جرى تطويقها في مهدها، في إشارة واضحة إلى أن مرحلة ما بعد أخنوش لا تُدار بمنطق التنافس، بل بمنطق الاختيار المسبق.

وبالتوازي مع هذا الإغلاق الداخلي، تكثفت تحركات رئيس الحزب خارج الإطار التنظيمي، بحثاً عن ضمانات سياسية ومؤسساتية تُؤمّن انتقالاً على مقاس التوازنات القائمة، بما يضمن استمرار التأثير والتحكم حتى بعد مغادرة الموقع الرسمي. وبهذا المعنى، لا تُصنع الخلافة داخل الحزب ولا تُحسم في المؤتمر، بل تُطبخ خارج القواعد، في مسار يُكرّس منطق الوصاية ويُفرغ فكرة الديمقراطية الداخلية من مضمونها.

في هذا السياق، لا يبدو أن قرار عدم الترشح نابع من ثقة في التنظيم أو احترام لآليات التداول، بل من خشية من نتائجها. فلو كان البناء الحزبي متيناً، ولو كانت النخب التي أُفرزت خلال سنوات القيادة قادرة على التنافس، لترك المؤتمر يحسم، ولتُركت القواعد تختار. لكن ما يحدث هو العكس تماماً: تجميد للاستحقاقات باسم “خصوصية المرحلة”، وتحويل الحزب إلى ما يشبه غرفة انتظار، وإفراغ مسبق لأي محطة تقريرية من معناها السياسي.

ويُقدَّم هذا السلوك في الخطاب العام باعتباره حرصاً على الاستقرار وحكمة في التدبير، بينما هو في العمق تعطيل مقصود للمساءلة وتكريس لمنطق الزعامة الممتدة. فالتمديد المتكرر ليس دليلاً على قوة التنظيم، بل اعتراف ضمني بأن القيادة لم تُنتج نخبة قادرة على التداول دون وصاية. حزب بلا صراع أفكار، وبلا مؤتمرات فاصلة، وبلا تنافس حقيقي، لا يشتغل كحزب سياسي بالمفهوم المؤسساتي، بل كجهاز مُدار من أعلى.

أما البحث عن ضمانات خارجية لتأمين الخلافة، فيكشف تصوراً تقليدياً للسياسة، يقوم على الارتياب في القواعد والاحتماء بـ“الفوق”. وبهذا المنطق تُصادَر الإرادة الحزبية من داخل التنظيم نفسه، وتُعاد إنتاج التبعية في قلب العمل الحزبي، بما لا يربك حزباً واحداً فقط، بل ينعكس على المشهد السياسي ككل. فانسحاب مشروط من هذا النوع لا يُعيد ترتيب الصفوف، بل يخلخل قواعد اللعبة.

السياسة لا تُدار بالتطمينات الخلفية ولا بالاستثناءات الدائمة. الانتقال القيادي لحظة اختبار للشرعية، ومن يفرّ منها يبعث برسالة واضحة عن فشله في بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار من دونه. وبدل أن يغادر أخنوش موقع القيادة مرفوع الرأس، يختار أن يظل حاضراً بلا مسؤولية مباشرة، ومؤثراً بلا تفويض، ومقرِّراً بلا محاسبة. هذا ليس انتقالاً منظماً، بل إدارة أزمة شخصية على حساب حزب، وعلى حساب ما تبقى من ثقة في جدوى العمل الحزبي.

ما نشهده، في النهاية، ليس نهاية مرحلة بقدر ما هو تأجيل لانفجارها. ومن يعطّل التداول اليوم باسم الاستقرار، سيواجه غداً كلفة فقدان الشرعية. فالسياسة لا ترحم من يضع الضمان فوق القاعدة، والسلطة فوق المؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى