بعد عام على الاعتراف بمغربية الصحراء.. 2025 سنة التفعيل العملي للشراكات المغربية الفرنسية
أميمة حدري: صحافية متدربة
بعد مرور نحو عام على الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، شكل المنتدى الاقتصادي الذي انعقد بمدينة الداخلة، محطة مفصلية في مسار العلاقات المغربية الفرنسية خلال سنة 2025، إذ شهدت هذه السنة بداية التطبيق الفعلي للاتفاقيات الموقعة بين البلدين خلال 2024، في خطوة ترسخ شراكة اقتصادية واستثمارية موسعة في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وقد منح المنتدى للمنطقة، بعدا جديدا للعلاقات الثنائية، ورفع سقف الطموحات الاستثمارية، خاصة بعد دعم فرنسا الكامل لاستثمارات شركاتها في الصحراء المغربية، لما تمثل المنطقة من محور اقتصادي واعد يتيح الوصول إلى السوق الإفريقية عبر ميناء الداخلة.
في قلب هذا التحول الإيجابي، برز العامل الاقتصادي كقاطرة للتقارب بين الرباط وباريس، إذ أن المرحلة الحالية تتسم بتنفيذ ملموس للاتفاقيات الموقعة، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي. فاللقاءات المتواصلة بين المسؤولين المغاربة والفرنسيين تجاوزت الأطر البروتوكولية لتصبح ترجمة فعلية للتعاون الاستراتيجي، من خلال تنظيم أكثر من 13 لقاء رفيع المستوى منذ زيارة الدولة، شملت اجتماعات اللجنة العليا المشتركة والحوار الاستراتيجي، مع الحفاظ على وتيرة التنسيق السياسي حول القضايا الإقليمية والدولية، لا سيما تلك المتعلقة بالمتوسط والشرق الأوسط وإفريقيا.
اقتصاديا، حظيت الأقاليم الجنوبية باهتمام استثنائي، إذ تركزت الأنشطة الاقتصادية على تنفيذ مشاريع كبرى في مجالات تحلية مياه البحر، والطاقة المتجددة، والنقل البحري، والسياحة، واللوجستيك، بمشاركة المستثمرين الفرنسيين.
وخلال الأشهر القليلة الماضية، قام المدير العام لمجموعة الوكالة الفرنسية للتنمية، ريمي ريو، بزيارة عمل إلى المغرب، عزمه القيام بمهمة ميدانية تشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة، في خطوة تعكس الانتقال إلى التفعيل العملي للإعلان المشترك الموقع في أكتوبر 2024 بين الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ومن وسط الأقاليم الجنوبية للمملكة، أكد المسؤول الفرنسي أن مهمته تندرج ضمن “التفعيل السريع” للموقف الفرنسي الجديد بخصوص الأقاليم الجنوبية، مشددا على متانة الشراكة بين الرباط وباريس، مؤكدا أن المغرب يظل الشريك الأول للوكالة، مع مشاريع تفوق قيمتها 3 ملايير أورو وتشمل نحو 70 مشروعا قيد التنفيذ.
ربط المدن ورهان الصحراء
وفي قطاع النقل السككي، مثّل توسيع الخط فائق السرعة بين طنجة ومراكش أحد أبرز معالم هذا التقارب، بمشاركة شركتي “ألستوم” و”إيجيس” الفرنسيتين. مشروع يتجاوز بعده التقني، ليعكس رهانا استراتيجيا على تحديث البنية التحتية، استعدادا لاستحقاقات كبرى، في مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030. كما فتحت المفاوضات الجارية لتزويد المغرب بـ 12 إلى 18 عربة قطار جديدة أفقا لتعميق الشراكة الصناعية، وربط الخبرة الفرنسية بالدينامية المغربية المتسارعة.
وفي مجال الطاقة، برز اتفاق الهيدروجين الأخضر بين الحكومة المغربية وشركة توتال إنيرجي كعنوان بارز لتحول نوعي في التعاون الثنائي. اتفاق لا يكتفي بتعزيز موقع المغرب في سوق الطاقات المتجددة، بل يضع الأقاليم الجنوبية في صلب التحول الطاقي العالمي.
وامتد الزخم إلى قطاع الطيران، من خلال شراكة مع شركة “سافران” لإنشاء وحدة لصيانة محركات الطائرات، في خطوة تعزز تموقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية لصناعة الطيران. أما في مجال النقل البحري، جاء الاتفاق بين “سي إم أيه سي جي إم” و”مارسا ماروك” لاستغلال ميناء الناظور لمدة 25 سنة، ليؤكد أن الشراكة المغربية الفرنسية لم تعد قصيرة النفس، بل رهانا طويل الأمد على موقع المغرب كبوابة لوجستية بين أوروبا وإفريقيا.
في السياق ذاته، حملت دعوة المغرب كضيف شرف في معرض الفلاحة الدولي بباريس، وحضوره البارز في مهرجان الكتاب، دلالات رمزية قوية، تعكس تقديرا فرنسيا متزايدا لثقل المملكة المغربية الثقافي والحضاري. هي قوة ناعمة وظفها المغرب بذكاء، لتكريس حضوره الدولي، وتوسيع دوائر تأثيره خارج الحسابات السياسية الضيقة.
2025 سنة التوافق والشراكة
وفي ظل هذا الزخم الذي شهدته العلاقات المغربية الفرنسية خلال السنة الجارية، اعتبر الباحث في العلاقات الدولية حسن بلوان في قراءته لهذا الزخم، أن العلاقات المغربية الفرنسية “علاقات استراتيجية وعميقة وتقليدية، وشاملة تشمل جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية”، مؤكدا أن هذه العلاقة “رغم بعض الفترات التي شهدت نوعا من البرود نتيجة بعض القراءات الخاطئة لمسؤولي الإليزيه، فإن المغرب ظل ثابتا على مواقفه وفضل دائما خيار العلاقات الاستراتيجية”.
وأضاف الخبير في تصريح لـ “إعلام تيفي” أن سنة 2025 مثلت نموذجا للعلاقات بين الشمال والجنوب، مشيرا إلى أن “المواقف المشتركة بين المغرب وفرنسا على الصعيدين الإقليمي والدولي ساهمت بشكل كبير في توطيد هذه العلاقة، إلى جانب المواقف القوية للجمهورية الفرنسية تجاه القضايا الحساسة والمصالح العليا للمغرب، خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية”.
وتابع بلوان بالقول إن “الموقف الفرنسي الشجاع والواضح من قضية الصحراء شكل انطلاقة جديدة للعلاقات المغربية الفرنسية”، مضيفا أن “دعم فرنسا للمغرب امتد إلى مجموعة من المنتديات الدولية، خاصة في أروقة الأمم المتحدة وداخل أجهزة الاتحاد الأوروبي”.
ولفت المحلل ذاته إلى أن هذه التطورات “تعكس أن العلاقات بين المغرب وفرنسا استراتيجية وعميقة ولها آفاق مستقبلية”، موضحا أن “فرنسا اقتنعت بأن المغرب يشكل حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وبوابة حصرية للقارة الإفريقية التي شهدت تراجع نفوذ فرنسا فيها لصالح قوى إقليمية ودولية أخرى”.
واختتم بلوان تصريحه لـ “إعلام تيفي” بالإشارة إلى الخطاب الملكي، الذي أكد فيه الملك محمد السادس أن المغرب ينظر إلى العالم من منظار الصحراء المغربية، معتبرا أن “الموقف الفرنسي الواضح والصريح بشأن الاعتراف بمغربية الصحراء وخطة الحكم الذاتي، ليس مجرد شعار أو بيان، وهو ما يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية الهادئة بقيادة العاهل المغربي في تعزيز مكانة المملكة كشريك محوري في الفضاء الإقليمي”.





