بين التسويق والواقع.. حادثة سير تكشف الوجه البيروقراطي لشركات التأمين بالمغرب

حسين العياشي

تكشف شهادة أحد المواطنين عن تجربة شاقة أعقبت حادثة سير، تجربة لا يمكن النظر إليها باعتبارها حالة معزولة بقدر ما تعكس جانباً من واقع أوسع يطبع علاقة جزء من الزبناء بقطاع التأمين في المغرب. فهذا القطاع، الذي يواصل تسجيل مؤشرات نمو مالية لافتة، ما يزال في المقابل يواجه اختبارات حقيقية على مستوى جودة الخدمات وفعالية التفاعل مع المؤمن لهم في اللحظات الحرجة.  وتشير المعطيات الرسمية إلى أن رقم معاملات سوق التأمين بلغ خلال النصف الأول من سنة 2025 نحو 37.7 مليار درهم، بزيادة سنوية تقارب 7.7 في المائة، فيما ناهزت الأرباح الصافية 3.5 مليارات درهم، وهي أرقام تعكس دينامية مالية قوية واستقراراً نسبياً في بنية السوق.

غير أن هذا التطور الكمي لا يواكبه دائماً تحسن ملموس في التجربة اليومية للزبناء. فبعد حادث السير، وجد المعني بالأمر نفسه أمام مسار إداري متشعب، تتكرر فيه الطلبات ذاتها وتغيب فيه آليات التتبع الواضحة، بما حوّل مرحلة ما بعد الحادث من لحظة يفترض أن تتسم بالدعم والمرافقة إلى تجربة مرهقة يغلب عليها الانتظار والغموض. هنا يطفو سؤال جوهري: إلى أي حد يواكب نمو رقم معاملات شركات التأمين تطوراً موازياً في جودة الخدمات المقدمة؟

من الناحية التنظيمية، يُعد قطاع التأمين من أكثر القطاعات تقنيناً في المغرب، إذ يخضع لإطار قانوني ورقابي يفترض أن يضمن حماية المؤمن لهم واستقرار السوق. غير أن عدداً من الدراسات الأكاديمية والمهنية يلفت إلى تحديات قائمة ترتبط ببنية السوق وتوزيع الخدمات ومدى ملاءمة العروض لحاجيات الزبناء، فضلاً عن فجوة ملموسة بين الإمكانات التنظيمية المتاحة وبين الواقع العملي لتجربة المستهلك.

الواقعة المعروضة تبرز هذا التباين بوضوح؛ فبدلاً من مسار سلس يخفف تبعات الحادث، دخل الزبون في دوامة إدارية تتكرر فيها طلبات الوثائق وتغيب فيها نقطة تواصل واضحة قادرة على اتخاذ القرار، بينما بدت خدمة المساعدة، التي يفترض أن تمثل واجهة التدخل السريع، محدودة الفعالية ومرتبكة الأداء، في وقت كان فيه المنتظر سرعة في الاستجابة ووضوح في الإجراءات وتعاطف مهني مع وضع استثنائي.

وتزداد الصورة دلالة عند تتبع مسار الحصول على سيارة بديلة، الذي تحول إلى سلسلة من الإجراءات المعقدة، من بينها اشتراط تقديم شيك ضمان. ورغم أن هذا الإجراء قد يكون معمولاً به لدى بعض الشركاء أو المتعاقدين، فإنه يثير تساؤلات حول فلسفة الخدمة نفسها: هل يُنظر إلى المؤمن له باعتباره شريكاً ينبغي دعمه في ظرف طارئ، أم كطرف يُتعامل معه بمنطق التحوط قبل تقديم أي مساعدة؟

هذه المفارقات تصبح أكثر وضوحاً عند استحضار طبيعة سوق التأمين في المغرب، الذي يتسم بتركيز ملحوظ تهيمن فيه شركات كبرى على الحصة الأساسية، في ظل منافسة قوية على مستوى المنتجات والعروض التسويقية. غير أن التحدي الفعلي لم يعد مرتبطاً بتنوع العروض بقدر ما بات متصلاً بجودة التنفيذ وبالتجربة الفعلية للزبون عند أول احتكاك حقيقي بالخدمة، خصوصاً في لحظات الأزمات والحوادث.

القضية، في جوهرها، تتجاوز واقعة فردية أو انطباعاً شخصياً لتلامس سؤالاً أعمق حول مستقبل العلاقة بين شركات التأمين وزبنائها في المغرب. فمع توسع التغطية التأمينية وارتفاع عدد المستفيدين، ودخول منتجات جديدة، وتصاعد المنافسة، يصبح رهان الثقة أكثر حساسية من أي وقت مضى.

في سوق يقوم أساساً على التعهد بالحماية، لا يكفي النمو المالي ولا قوة العلامة التجارية لترسيخ المصداقية. الاختبار الحقيقي يبدأ عند الحادث، حين يحتاج الزبون إلى سرعة القرار ووضوح المساطر وتعاطف مهني يبدد أثر الصدمة. هناك فقط تُقاس المسافة بين الخطاب التسويقي والواقع، وهناك أيضاً تتحدد صورة الشركة، إما فاعل يفي بوعد الحماية، أو منظومة بيروقراطية تترك المؤمن له وحيداً في أكثر اللحظات هشاشة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى