بين الساعة القانونية وغير القانونية لا ينتهي الجدل والمطلب واحد

هدى الرويفي: صحافية متدربة

في ظل النقاش القائم عبر السنوات حول الساعة الإضافية ، تتعالى أصوات المواطنين بالرفض على الرغم من مرور 8 سنوات من اعتمادها، ويطالبون بالعودة للعمل بالساعة القانونية كما يشير اسمها، وتم انتقادها من طرف محمد بنقدور رئيس الجامعة الوطنية لحماية حقوق المستهلك حيث تطرق إلى اعتماد توقيت GMT+1 طوال السنة مع العودة إلى GMT+0 خلال شهر رمضان فقط، معتبرا أن هذا التراجع يعكس عدم اقتناع فعلي بجدوى الساعة المضافة، ويشير إلى أن المغرب يقع جغرافياً على خط غرينيتش، وبالتالي فإن التوقيت الطبيعي له هو GMT+0.

كما يؤكد أن صحة المواطنين وسلامتهم يجب أن تكون أولوية في السياسات العمومية، قبل أي اعتبارات اقتصادية. وجاءت هذه التدوينة تزامنا مع إطلاق عريضة إلكترونية من طرف نشطاء عبر الفايسبوك يطالبون من خلالها العودة إلى الساعة القانونية.

وفي هذا الصدد تم التواصل مع محمد بنقدور رئيس الجامعة الوطنية لحماية حقوق المستهلك لمزيد من المعطيات، وأفاد بدوره أن التراجع عن الساعة الإضافية يعتبر اعترافا ضمنيا بأنها غير مناسبة، حيث أن النمط اليومي للمواطن المغربي ينسجم مع التوقيت الزمني المتزامن مع خط غرينيتش، والذي يعتبر التوقيت الطبيعي و البيولوجي للمواطن المغربي.

فالإنسان يحكمه توالي شروق الشمس و غروبها، فعند غروب الشمس يفرز الجسم هرمون الميلاتونين التي يساعد على النوم، وفي حالة وجود اضطراب في إفراز هذا الهرمون، يعاني الانسان من صعوبات في النوم. فعندما يطلب من الشخص الاستيقاظ في ظلام السادسة صباحا، يتعامل الجسم بيولوجيا كأنه ما يزال في الليل، مما يؤدي إلى الشعور بالإرهاق وعدم الاستعداد للعمل.

و حتى إذا افترضنا تعطيل هرمون الميلاتونين، فقد يفرز هرمون الكورتيزول في غير توقيته الطبيعي، الشيء الذي يسبب التوتر والقلق، وهذا ما يفسر غالب المشاكل والصعوبات التي تسجل في الصباح سواء لدى التلاميذ الذين يفتقدون للتركيز، أو لدى الموظفين و العمال الذين لا يكونون في كامل استعدادهم الذهني و الجسدي.

كل هذه العوامل تفيد أن الإيقاع الطبيعي هو الأساس. وبأخذ موقع المغرب على خط غرينيتش بعين الاعتبار، فإن التوقيت الملائم له هو GMT+0 و ليس GMT+1.

تغير بعض الدول التوقيت لأسباب اقتصادية، وعند سؤال المتحدث عن الفرق بين هذه الحالات والحالة المغربية أفاد أنه بالنسبة لفرنسا لن تتأثر بهذا التغيير لأن توقيتها ينسجم مع نمط عيشها الاجتماعي والثقافي، في المغرب، يتغير الوضع بحكم المعايير المجتمعية والدينية.

سواء في المغرب أو في فرنسا، يكون الاستيقاظ صباحا في التوقيت نفسه، وتستهلك الطاقة منذ الساعات الأولى من اليوم، إلا أن الأوروبيين يعوضون ذلك بالنوم الباكر بينما يظل الكثير من المغاربة مستيقظين إلى وقت متأخر بحكم نمط الحياة المسائي الذي يظل مرتبطًا بإيقاع ديني واجتماعي محدد، و بعبارة أخرى، يستهلك المواطن المغربي الطاقة صباحا وليلا، في حين أن الأوروبيين يوفرونها ليلا بفضل نمط نوم أبكر.

وأضاف المتحدثفي تصريح خص به ل “إعلام تيفي”، أنه آن الأوان للتدخل في الحسابات الاقتصادية وفي السياسات العمومية، بالخصوص تلك المتعلقة بصحة المواطن وكرامته و عيشه الكريم، كما أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله على أهمية رؤية آثار السياسات الاقتصادية على حياة المواطنين، فالاقتصاد الذي لا ينعكس إيجابيًا على صحة المواطن وحياته اليومية لا يمكن اعتباره ناجحًا.

و بالنسبة للتوقيت الرسمي، فإن الشركات الناشطة في المغرب هي في الغالب شركات خاصة وليست عمومية، وبالتالي يمكن لمن يريد العمل مع شركات خارجية أن يتكيف مع توقيتها مثل الاستيقاظ على الساعة السابعة صباحًا حسب GMT+0 دون الحاجة لفرض توقيت مراعي لأوروبا أو الاتحاد الأوروبي.

الحل الوسط الممكن هو اعتماد GMT+1 في الصيف لأن الشمس تشرق مبكرا و تغرب متأخرة، ما يجعل اليوم طويل ومناسب للقيام بالنشاطات اليومية، واعتماد GMT+0 في الشتاء.

كما أفاد المتحدث أن نصف المبادلات التجارية المغربية تتم مع الاتحاد الأوروبي و النصف الآخر مع دول أخرى، فلماذا تُضيع الحكومة نصف الفرص فقط لمجرد محاذاة التوقيت مع أوروبا؟ ؟ لماذا لا تضع صحة المواطن في الأمام وتستفيد من جميع الفرص الاقتصادية؟

ويتماشى هذا مع توجه المملكة تحت رعاية جلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي يركز على سياسة أطلسية ذات عمق إفريقي، بدل الاقتصار على أوروبا لاستغلال كل الفرص الاقتصادية وتطوير الاقتصاد الوطني بما يتوافق مع هذا التوجه. فلماذا لا يتم اعتماد التوقيت القانوني والاستفادة من مزايا الاقتصاد الوطني والدولي بالتوازن بين جميع الشركاء؟

أفاد المتحدث أيضا أن الجامعة الوطنية لحماية حقوق المستهلك تناقش هذه القضية منذ 2018، وتقبلها الناس مرغمين لا أكثر، فلو أتيح لهم الاختيار لاختاروا التوقيت القانوني العادي.
فالاقتصاديون والمقاولات الكبرى لا يواجهون أي مشكلة مع هذا التوقيت، أما فالمقاولات الصغرى ذات العلاقات ضيقة الهامش والتعاون الخارجي صغير هي الأكثر تذمرا حول هذه الساعة.
بالإضافة إلى التلاميذ، الموظفين، الإداريين و موظفو الجماعات المحلية جميعهم غير راضين عن هذا التوقيت، بالخصوص في فصل الشتاء حيث يضطرون للعمل في الظلام، الشيء الذي أدى ايضا الى عدم الالتزام بساعات العمل الرسمية في الإدارات العمومية، دون الحديث عن المخاطر المتعلقة بالتعرض و التحرش أو الاعتداءات التي يمكن ان تطال المواطن في الصباح الباكر.

وللأسف، الاحزاب السياسية التي كانت تعارض التوقيت سابقا، لم تحرك ساكنا بعد أن اصبحت اليوم بالحكومة، رغم أن الواضح والملموس بالأدلة يظهر أن ما هذه الساعة الاضافية إلا عبث لا أقل و لا أكثر.
وبخصوص سؤاله عن إمكانية تحول هذا النقاش إلى مطلب مدني منظم عبر قنوات قانونية، أشار المتحدث أنه توجد مؤسسة تشريعية تمثل المواطنين داخل البرلمان، إذا كان بعض أعضائها قد دافعو سابقا عن رفضهم للساعة الإضافية، فمن غير المنطقي أن يلزموا الصمت بعد توليهم مسؤوليات حكومية، هذا تناقض واضح يضعف مصداقية العمل السياسي .

المنتخبون مطالبون بالدفاع عن مصالح المواطنين لأنهم يمثلونهم ويعيشون نفس ظروفهم، فالدور الأساسي للبرلمان هو التشريع وسن القوانين بما يخدم الصالح العام. وأضاف أيضا أنه إذا كانت هناك ساعة تُسمى “الساعة القانونية” يعني أن الأخرى غير قانونية.

بخصوص استعداد الجامعة الوطنية لحماية حقوق المستهلك للقيام بمبادرة رسمية أو مراسلة للحكومة بخصوص هاد الملف، أوضح رئيسها ل”إعلام تيفي” أنهم قامو بالتعبير عن موقفهم عبر الاعلام وسيواصلون التعبير عنه من خلال المنبر نفسه، مضيفا أيضا أنه ليس هناك ضرورة للمراسلات المكتوبة، كما قال “اللبيب بالاشارة يفهم” في إشارة إلى أن الرسالة وصلت ولا تحتاج إلى مزيد من التوضيحات.

هذا الوضع يعكس نوع من الارتباك في القرار العمومي لأنه قرار لا يتجدد النقاش حوله إلا في رمضان، قبل سنة 2018 كان العمل بنظام التوقيت الصيفي والتوقيت الشتوي، وكان التبرير أنه في الصيف يكون النهار أطول، وفي الشتاء أقصر، لذلك يتم تغيير الساعة وفق هذا المنطق. لكن بعد 2018 تم اعتماد الساعة الإضافية بشكل شبه دائم. وهذا ما يطرح العديد من الأسئلة: على أي أساس تم اتخاذ قرار التحول؟ هل التبريرات السابقة لم تعد كافية أو صالحة؟ وما هو المبرر الجديد؟
وحتى إن طرح السؤال على المختصين في الاقتصاد حول ما إذا كانت إضافة الساعة الإضافية كفيلة بتحقيق تقدم اقتصادي، فإن الرأي الغالب يؤكد على أن التنافسية الحقيقية تتحقق عبر الاستثمار في البحث العلمي، تطوير الكفاءات، ورفع جودة المنتوج عندها سننافس و سنفرض وجودنا في السوق و ليس بساعة اضافية او بنقص ساعة.

ورغم مرور 8 سنوات عن اعتماد الساعة الإضافية، الحديث عن هذا القرار غالبا ما يتم دون تقديم دراسات علمية شفافة حول آثاره الصحية. الساعة الإضافية ليست مجرد رقم، بل تؤثر على الساعة البيولوجية للإنسان.

الرسالة الموجهة إلى الحكومة بخصوص أولوية صحة وسلامة المواطن المغربي هي أن صحة الإنسان يجب أن تكون في صلب وأولوية أي قرار عمومي، لأن تدهور الصحة العامة يكلف الدولة ميزانيات مضاعفة في العلاج وفقدان الإنتاجية، فإذا كانت هناك مكاسب اقتصادية، فيجب موازنتها بكلفة التأثيرات الصحية والنفسية.

إعادة تقييم هذا القرار بناءً على دراسات علمية هي التوصية الرئيسية التي يمكن تقديمها، مع الأخذ بعين الاعتبار الانعكاسات النفسية والجسدية، والحفاظ على التوازن النفسي والجسدي للمواطن، مع التوجه نحو البحث العلمي والابتكار وتطوير الكفاءات انسجاماً مع التوجه الاستراتيجي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله نحو تعزيز الحضور المغربي في العمق الإفريقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى