تدبير النفايات في مرمى الانتقادات: اختلالات بيئية تلاحق «كازا بيئة»

حسين العياشي

وجهت النائبة عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، لبنى الصغيري، سؤالاً كتابياً إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وضعت فيه تحت المجهر ما وصفته باختلالات خطيرة في طريقة اختيار مواقع الحاويات داخل الأحياء السكنية. في وقت تتجدد فيه موجة الغضب ضد شركة التنمية المحلية “كازا بيئة”، المفوض لها تدبير قطاع النفايات بالعاصمة الاقتصادية، بسبب التدهور البيئي الذي باتت تعيشه عدة مقاطعات.

السؤال البرلماني، الذي أثار الانتباه إلى جانب مهمل من تدبير النظافة، نقل صورة قاتمة عن واقع تعيشه أحياء عديدة بالدار البيضاء، حيث توضع الحاويات أمام أبواب المنازل، وتحت النوافذ، وبمحاذاة المحلات التجارية والمرافق العمومية، في مشهد لا يسيء فقط إلى جمالية الفضاء الحضري، بل يحول الحياة اليومية للسكان إلى معاناة مفتوحة مع الروائح الكريهة، وتكاثر الحشرات والكلاب الضالة، ومخاطر صحية تتفاقم بصمت.

ومن منظور الصغيري، فإن هذا الوضع لا يمكن فصله عن غياب رؤية حضرية بيئية متكاملة، تجعل من كرامة الساكنة وجودة العيش عنصراً أساسياً في التخطيط المحلي، لا مجرد تفصيل ثانوي. واعتبرت أن ما يجري يطرح أسئلة محرجة حول مدى احترام الجماعات الترابية والشركات المفوض لها دفاتر التحملات والمعايير التقنية التي يفترض أن تؤطر توزيع الحاويات وتحدد مواقعها والمسافات الآمنة بينها وبين المساكن والمرافق الحساسة.

وفي هذا السياق، طالبت النائبة بتوضيح التدابير التي تعتمدها مصالح وزارة الداخلية، بتنسيق مع الجماعات الترابية، لتنظيم انتشار الحاويات داخل الأحياء، في ظل ما وصفته بعشوائية تدبيرية جعلت من هذه الحاويات عبئاً يومياً على الساكنة بدل أن تكون أداة لخدمة النظافة وتحسين شروط العيش. كما تساءلت عما إذا كان تدبير هذا الملف يستند إلى معايير واضحة وموحدة، أم أنه يظل رهين اجتهادات محلية متباينة، تختلف من حي إلى آخر ومن مقاطعة إلى أخرى، دون اعتبار لتداعياتها الصحية والبيئية.

ولم يقف السؤال عند حدود التشخيص، بل امتد إلى مساءلة الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر للعملية برمتها، حيث دعت الصغيري إلى التفكير في نص تنظيمي أو قانوني يحدد بشكل دقيق وملزم شروط وضع الحاويات والمسافات الدنيا الواجب احترامها، بما يضمن حماية الساكنة ويستجيب لمتطلبات الصحة العامة، خاصة في مدينة تشهد توسعاً عمرانياً سريعاً وضغطاً متزايداً على بنيتها التحتية وخدماتها الأساسية.

وفي بعد لا يقل أهمية، طرحت البرلمانية مسألة المراقبة والمحاسبة، متسائلة عن طبيعة الدور الرقابي الذي تمارسه السلطات المحلية في تتبع مدى التزام الشركات المفوض لها، وعلى رأسها «كازا بيئة»، بشروط النظافة ومعايير توزيع الحاويات، وعن الآليات المتاحة للتدخل الفوري حين تسجل اختلالات تمس راحة المواطنين وحقهم في بيئة حضرية سليمة.

كما فتحت الصغيري النقاش حول أفق أوسع لتدبير هذا الورش، من خلال الدعوة إلى اعتماد مقاربة نموذجية في المدن الكبرى، تقوم على تخطيط حضري بيئي متكامل، يوفق بين متطلبات تدبير النفايات الصلبة، والحفاظ على جمالية الفضاءات العامة، وتحسين جودة الحياة داخل الأحياء، بدل الاستمرار في حلول ظرفية لا تعالج جذور الأزمة.

ويعيد هذا التحرك البرلماني، في ظل الاحتقان البيئي الذي يخيم على عدد من أحياء الدار البيضاء، طرح سؤال جوهري حول طبيعة تدبير قطاع النظافة: هل هو مجرد خدمة تقنية لجمع الأزبال، أم رهان حضري وصحي وبيئي يختبر فعلياً نجاعة الحكامة المحلية، ومدى قدرة المتدخلين العموميين والخواص على احترام التزاماتهم، ووضع المواطن في قلب السياسات الحضرية بدل دفعه إلى التعايش القسري مع اختلالات تدبيرية مزمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى