تهيئة أحياء مرتبطة بالرئيس ونائبه.. صدفة جغرافية أم تضارب مصالح؟

حسين العياشي

أعاد إعلان مجلس عمالة مكناس عن إطلاق طلبي عروض لأشغال تهيئة عدد من أحياء جماعة مكناس خلط الأوراق داخل المجلس، وأشعل نقاشاً حاداً بين أعضائه، بعدما تبين أن الأحياء المستفيدة ترتبط جغرافياً برئيس المجلس وأحد نوابه. وبين الأرقام المعلنة والأسئلة غير المعلنة، برزت قضية تتجاوز حدود صفقة عمومية إلى نقاش أوسع حول معايير الأولوية والعدالة المجالية في توزيع المشاريع.

الملف بدأ بإعلان طلب عروض مفتوح يهم أشغال تهيئة حي الزيتون، وهو الحي الذي ينتمي إليه رئيس المجلس، بغلاف مالي يناهز 180 مليون سنتيم. خطوة وُصفت رسمياً بأنها تدخل في إطار تحسين البنية التحتية وتعزيز جاذبية المجال الحضري، غير أن وقعها داخل المجلس كان مختلفاً، إذ اعتبرها بعض الأعضاء مؤشراً يستدعي التوضيح بشأن الخلفيات والمعايير المعتمدة.

ولم يكد الجدل يهدأ حتى تبين أن طلب عروض ثانياً يهم تهيئة حي أكدال والقصبة، المنتميين إلى أحد نواب الرئيس، بكلفة تفوق 200 مليون سنتيم. وباحتساب المشروعين معاً، يتجاوز الغلاف المالي المرصود 380 مليون سنتيم، وهو رقم كافٍ ليضع القرار تحت مجهر المساءلة السياسية والأخلاقية، خصوصاً في سياق تعاني فيه عدة أحياء من هشاشة واضحة في بنيتها التحتية.

داخل أروقة المجلس، تحولت المسألة إلى محور نقاش محتدم. فاختيار هذين الحيين دون غيرهما أثار تساؤلات حول الأسس التقنية والاجتماعية التي استند إليها المجلس في ترتيب أولوياته. هل يتعلق الأمر بدراسات ميدانية دقيقة؟ أم أن الاعتبارات الجغرافية الخاصة لعبت دوراً في توجيه القرار؟ أسئلة تتردد بقوة في ظل غياب تواصل رسمي مفصل يبدد الشكوك ويقدم معطيات شفافة للرأي العام.

وتزداد حدة الجدل عند استحضار واقع أحياء مجاورة تعاني منذ سنوات من تدهور بنيتها الأساسية دون أن تحظى بمشاريع مماثلة، مثل بني امحمد وتواركة وسباتا. هذه المناطق، بحسب عدد من المتتبعين، أولى بتدخلات استعجالية بالنظر إلى وضعية طرقها وشبكاتها، ما يجعل مسألة ترتيب الأولويات في صلب النقاش الدائر.

القضية، في جوهرها، لا تتعلق فقط بأرقام وصفقات، بل بثقة المواطنين في مؤسساتهم المنتخبة. فحين تتقاطع مواقع المسؤولية مع الانتماء الجغرافي، يصبح لزاماً مضاعفة منسوب الشفافية وتقديم ما يكفي من التبريرات التقنية لتفادي أي تأويلات تمس بمبدأ تكافؤ الفرص بين الأحياء. وبين من يعتبر الأمر شبهة تضارب مصالح تستوجب التوضيح، ومن يراه مجرد صدفة جغرافية لا أكثر، يبقى السؤال مفتوحاً: على أي أساس تُحدد أولويات التنمية داخل المدينة، ومن يملك حق ترتيبها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى