جخا لـ “إعلام تيفي”: الفياضانات الأخيرة فرصة لتقوية البنى التحتية والطرق المائية بالمناطق القروية (حوار)

أميمة حدري

شهدت المملكة المغربية خلال بداية 2026، فيضانات واسعة ضربت عدة أقاليم، ما أسفر عن أضرار كبيرة في البنية التحتية والمساكن والفلاحة، وعطل الدراسة في بعض المناطق، وزاد من معاناة الفئات الهشة.

وقد أثار هذا الواقع تساؤلات حول فعالية السياسات العمومية المعتمدة في تدبير الكوارث الطبيعية، ودرجة التنسيق بين مختلف المستويات الحكومية والجماعات المحلية، إضافة إلى مدى شمولية التعويضات وحرص الحكومة على مبادئ الإنصاف والمساواة.

في هذا الحوار، نستعرض مع الخبير في السياسات العمومية، رضوان جخا، أبرز الاختلالات والنجاحات في التعامل مع الأزمة، ونبحث في الإصلاحات الممكنة لتعزيز الجاهزية والاستجابة للكوارث المستقبلية.

بداية، إلى أي حد تعكس الفيضانات الأخيرة اختلالات بنيوية في السياسات العمومية المرتبطة بتدبير المخاطر الطبيعية؟

أعتقد بأن حجم الفيضانات الطوفانية بالمناطق الشمالية القياسية، سواء من حيث غزارتها أو الساعات التي تهاطلت فيها، والتي تجاوزت في المناطق التي صنفت منكوبة حوالي 504 ساعة متواصلة من الأمطار، عكست معها بنيات تحتية مائية متطورة على غرار السدود الكبرى بالمنطقة التي ظلت متماسكة بالرغم من تجاوز طاقاتها الإستيعابية بحوالي 160 بالمائة في بعض السدود، ولنا أن نفتخر بذلك لأن جيراننا بالبرتغال وإسبانيا مثلا شهدت بنياتهم التحتية مع نفس الموجة المناخية في بعض السدود تشققات كبيرة.

لكن مع ذلك فقد ظهرت تحديات وإشكالات أفرزتها هذه التغيرات المناخية الصعبة جدا على غرار تأهيل المراكز القروية والجبلية وتوطين الخدمات الأساسية بها على غرار البنيات التحتية الطرقية والقناطر الصغرى والمتوسطة، مع خدمات القرب ذات الطابع الإجتماعي، دون نسيان أهمية تشييد سدود تلية تساهم في مساعدة السدود الكبرى لتجاوز التغيرات المناخية الصعبة جدا وكذا للإستفادة أكثر من أمطار الفيضانات.

لذلك أعتقد كما أقول دائما ربة ضارة نافعة، فمع هذه الأمطار الطوفانية والفيضانات سواء التي شهدتها مناطق الشمال أو مناطق الجنوب الشرقي ستجعل بلادنا أولا تكتسب تجارب وخبرات في مجال تدبير الكوارث الطبيعية، وهذا ما نلاحظه حاليا من خلال التدبير المحكم والناجع لفيضانات الشمال من طرف السلطات العمومية، وثانيا للتسريع بإنجاز الأوراش الإستراتيجية الهيكلية المرتبطة بالإقتصاد الأزرق على غرار الطريق السيار المائي مع توطين السدود الكبرى والمتوسطة والصغيرة خصوصا بالوسط القروي والمناطق الجبلية.

كيف تقيمون أداء الحكومة على مستوى التنسيق بين القطاعات الوزارية والجماعات الترابية خلال الأزمة؟

أعتقد بأنه مع مرور بلادنا في لحظات بيئية أو صحية صعبة واستثنائية على غرار جائحة كورونا أو زلزال الحوز وفيضانات الجنوب الشرقي، نجد المؤسسات التي دائما ما تعرف بنجاعتها ودقة تدخلاتها الميدانية الإستعجالية، وهنا أتحدث عن القوات المسلحة الملكية، وزارة الداخلية مركزيا، جهويا، إقليميا، ومحليا، الدرك الملكي، القوات المساعدة، الأمن الوطني، الوقاية المدنية، مهندسي وتقنيي وزارة التجهيز والماء، هذه هي المؤسسات ذات التدخل الميداني.

أما بخصوص فيضانات الشمال، نفس الأمر لاحظناه، فدولتنا بقيادة وإشراف مباشر من طرف جلالة الملك محمد السادس، الذي وضع خارطة طريق واضحة المعالم أساسها لتجاوز التغيرات المناخية بأقل الخسائر، تم تنزيل هذه الخارطة بكيفية محكمة وبخبرة عالية، من طرف وزارة الداخلية وكافة المتدخلين الذين ذكرت سالفا. فمثلا نجد بإقليم تطوان، نموذجا متميزا للتدبير التشاركي الذي قاده عامل إقليم تطوان عبد الرزاق المنصوري المعروف كما كان بإقليم ورزازات بخبرته الكبيرة في تدبير التغيرات الطبيعية .

أما إذا تحدثنا عن الفاعلين السياسيين وبكل موضوعية هناك اجتهادات فردية خصوصا داخل مجالس الجماعات الترابية بتلك المناطق لكنها قليلة، لذلك أعتقد بأن هذا الواقع تكرر في العديد من المناسبات، ما يجعلنا نتساءل عن دور الفاعل السياسي خصوصا الجماعات الترابية، وعن قدراته في ابتكار آليات التدخل الإستعجالي والتنسيق بين الفاعل الحكومي مع نظيره في الجماعات الترابية، ما يؤدي لتأخر التدخل.

لذلك دائما ما نحمد الله تعالى على وجود المؤسسة الملكية، بقيادة جلالة الملك صمام الأمان وقائد الدولة الأمة الحكيم، لذلك نجد حسب استطلاعات الرأي ترسخ لثقة كل المغاربة في المؤسسة الملكية، وبعدها مؤسسات الجيش والأمن والدرك، في حين نجد ثقة الشباب والشابات في الأحزاب السياسية تتذيل الترتيب، ومن أسباب ذلك هو شبه غياب أو ضعف تأثير الفاعل السياسي خلال الأزمات الطبيعية والبيئية .

إلى أي حد تم إدماج مقاربة النوع الاجتماعي والفئات الهشة في سياسات تدبير الكوارث؟

كما يعلم الجميع فمقاربة النوع الإجتماعي، تعتبر أولوية وطنية في إطار ترسيخ آليات الديموقراطية التشاركية، فدستور المملكة المغربية يتحدث عبر فصله 19 على أهمية إعتماد تدابير وإجراءات تمكن من بلوغ رهان المناصفة، من بين هذه الإجراءات مقاربة النوع الإجتماعي التي تسير فيها المملكة بشكل دينامي إيجابي.

في ما يخص سياسات تدبير الكوارث الطبيعية، هناك مجهود كبير في هذا السياق من خلال ما يقوم به العنصر النسوي، فبلادنا لديها طاقات وكفاءات نسائية بخبرات نالت إشادة دولية، مثل مهندسات وزارة التجهيز والماء وطاقات وزارة الداخلية والدرك الملكي والأمن الوطني اللواتي بذلن مجهودات جبارة للمساهمة كذلك في تدبير فيضانات المناطق الشمالية وكذلك فيضانات الجنوب الشرقي، دون نسيان التضحيات الجسام التي قدمتها هذه الكفاءات النسوية خلال تدبير زلزال الحوز.

أما على مستوى العناية بالفئات الهشة خلال هذه الكوارث الطبيعية، فالدولة المغربية أثبتت للعالم عبر إشراف ملكي العناية القصوى بأرواح المواطنين بصفة عامة ،فليس بالأمر الهين أن تنقل أزيد من مائة و عشرين ألف مواطن وتوفر لهم المبيت والتغذية في ظرف قياسي ،مع البرنامج الحكومي الدعم طبقا للتوجيهات الملكية السامية.

ختاما، في نظركم ما الأولويات العاجلة التي ينبغي اعتمادها لتفادي تكرار نفس الاختلالات مستقبلا؟

من وجهة نظري هناك أربع أولويات كبرى لمواصلة التدبير الناجع للكوارث الطبيعية، أولها التعجيل بتنزيل السياسة العامة التي وضعها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله في خطابين ملكين متتاليين، هما خطاب العرش المجيد وخطاب افتتاح البرلمان، والمتمثلة في تأهيل المراكز القروية الصاعدة وتنمية المناطق الجبلية والواحية والساحلية، لتطوير البنى التحتية الهيكلية بها، وضمنها البنى التحتية المرتبطة بالإقتصاد الأزرق والأخضر.

ثانيا، وضع الفاعلين السياسيين خصوصا الحكومة والجماعات الترابية وبالتحديد مجالس الجهات المختصة برامج وسياسات عمومية مجالية مندمجة مع ضمان الإلتقائية والتواصل، حتى لا يكون هدر للمجهود والزمن التنموي،

ثالثا، استكمال أوراش الإقتصاد الأزرق، فكما قال جلالة الملك خلال الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لعيد العرش سنة 2024، على أنه لا تسامح مع أي تهاون أو تأخير في قضية الماء باعتبارها أولوية مصيرية، مشاريع تحلية مياه البحر، ونقل المياه بين الأحواض المائية، مع البرنامج الحكومي الطموح لتوطين السدود الكبرى والمتوسطة والصغيرة جدا.

الأولوية الرابعة، تتجلى في دور المجتمع المدني، الذي يهتم بهذا الموضوع بشكل نسبي، وهنا وجب علينا جميعا كفعاليات مدنية الترافع والإقتراح كل بمنطقته للمساهمة في وضع سياسات عمومية مجالية مندمجة في مجال تدبير الكوارث الطبيعية والبيئية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى