خبير: تعميم الذكاء الاصطناعي دون تقييم المخاطر يهدد العدالة والمساواة في الخدمات العامة (حوار)

أميمة حدري

أشرفت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، بمدينة الداخلة على اختتام محطة جهة الداخلة – وادي الذهب من هاكاثون رمضان للذكاء الاصطناعي “RAMADAN’IA”، في خطوة جسدت إرادة وطنية رصينة لترسيخ مكانة المغرب في صرح الابتكار الرقمي.

ولم يقتصر أثر المبادرة على الداخلة وحدها، بل امتد إلى جهات العيون الساقية الحمراء وكلميم وادي نون، في أفق تغطية شاملة لكل جهات المملكة خلال مراحل متتابعة طوال شهر رمضان. وتواكب الوزارة هذه المشاريع الواعدة عبر آليات احتضان متطورة، وتأطير تقني متخصص، وربطها بشركاء عموميين وخواص، مع توفير فرص عرضها في التظاهرات التكنولوجية الدولية، لتعزيز إشعاع الكفاءات المغربية ودعم تموقع المملكة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، نفتح مع الخبير في الذكاء الاصطناعي، المامون شفقي، نافذة تحليلية عميقة حول مدى قدرة الرأسمال البشري على ترجمة هذه الدينامية إلى تموقع فعلي ومستدام في قطاع الذكاء الاصطناعي، مستعرضا الشروط التقنية والتمويلية لانتقال المبادرات الجهوية من أفكار أولية إلى مشاريع اقتصادية قابلة للتطبيق، ومناقشا سبل ضمان العدالة المجالية الرقمية وتفادي المخاطر التنظيمية والأخلاقية في القطاعات الحساسة مثل الصحة والتعليم والإدارة.

إلى أي حد يمكن اعتبار الرهان على الرأسمال البشري مدخلا فعليا لتموقع المغرب في مجال الذكاء الاصطناعي؟

أكيد أن الرهان على الرأسمال البشري في مجال الذكاء الاصطناعي، يكتسي بعدا استراتيجيا فعليا متى اقترن بسياسات عمومية واضحة وأدوات تنفيذية ملموسة. في هذا السياق، يندرج تنظيم وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة لهاكاثون وطني للذكاء الاصطناعي على مستوى مختلف الجهات، بما فيها الأقاليم الجنوبية، ضمن مقاربة تروم توسيع قاعدة الكفاءات الرقمية وتحفيز الابتكار الترابي، وليس الاكتفاء بمراكز حضرية محدودة.

كما أن إدراج تنمية المهارات الرقمية ضمن الرؤية الوطنية “المغرب الرقمي 2030” يعكس توجها مؤسساتيا يعتبر العنصر البشري شرطا أساسيا للانتقال من الاستهلاك التكنولوجي إلى إنتاج حلول رقمية ذات قيمة مضافة.

وتنسجم هذه المقاربة مع ما تؤكده تقارير المنظمات الدولية، التي تجمع على أن الذكاء الاصطناعي لا يحدث أثرا اقتصاديا أو تنمويا دون استثمارات مستدامة في التكوين، وإعادة التأهيل، وربط المهارات بالحاجيات الفعلية للقطاعات والجهات.

وعليه، فإن الرأسمال البشري لا يختزل في شعار ظرفي، بل يشكل مدخلا حقيقيا للتموقع في مجال الذكاء الاصطناعي، شريطة الانتقال من منطق المبادرات الظرفية إلى منطق المسارات المتكاملة للتكوين والاحتضان والتشغيل.

ما الشروط التقنية والتمويلية الضرورية لتحويل المبادرات الجهوية والهاكاثونات إلى مشاريع قابلة للتنزيل الاقتصادي؟

تظهر التجارب المقارنة أن الهاكاثونات، رغم أهميتها في تحفيز الإبداع، لا تنتج أثرا اقتصاديا تلقائيا ما لم تستكمل بشروط تقنية ومؤسساتية واضحة. على المستوى التقني، يظل توفر البيانات المهيكلة، وجودتها، وإمكانية إعادة استعمالها في إطار قانوني مضبوط، عنصرا حاسما لتطوير حلول ذكاء اصطناعي قابلة للتطبيق. كما أن توفير بيئات للتجريب داخل الإدارات والمؤسسات العمومية والخاصة يعد شرطا ضروريا لاختبار الحلول وتحسينها قبل تعميمها.

أما على المستوى التمويلي والمؤسساتي، فإن الانتقال من نموذج أولي إلى مشروع اقتصادي يتطلب آليات تمويل مرحلية لما بعد الهاكاثون، تشمل الاحتضان، والمواكبة التقنية، وربط المشاريع بطلب حقيقي، خصوصاً من خلال آليات المشتريات العمومية الموجهة نحو الابتكار.

كما تبرز أهمية الشراكات بين الجامعات، والمقاولات، والإدارات، بما يسمح بتثبيت الكفاءات محليا وتحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات قابلة للاستدامة.

كيف يمكن ضمان عدالة مجالية رقمية حقيقية بين الجهات، خاصة في ما يتعلق بالبنية التحتية الرقمية وتوفر البيانات والكفاءات؟

العدالة المجالية الرقمية تتحقق من خلال مقاربة شمولية تربط بين البنية التحتية، والبيانات، وتنمية الكفاءات. فتكافؤ الولوج إلى الخدمات الرقمية والبنيات الأساسية يظل شرطا أوليا لتقليص الفجوة بين الجهات، وهو ما تؤكد عليه الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي.

وفي المقابل، لا تقل عدالة البيانات أهمية، إذ إن غياب معطيات ممثلة لمختلف المجالات الترابية قد يؤدي إلى إنتاج حلول ذكاء اصطناعي غير منصفة أو غير ملائمة للسياقات المحلية. ويستدعي ذلك حكامة للبيانات تراعي حماية المعطيات الشخصية، وتضمن الشفافية، وتكافؤ الفرص بين الجهات.

أما عن عدالة الكفاءات، فتقتضي توزيع فرص التكوين المتقدم وربطها بالخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة، مع توفير مسارات استقرار مهني تسمح بالاحتفاظ بالمواهب محليا. وفي هذا الإطار، يمكن للمبادرات الجهوية، مثل الهاكاثونات، أن تشكل مدخلا أوليا لتوسيع المشاركة الترابية، شريطة أن تُستكمل ببرامج احتضان وتمويل وتنزيل فعلي.

ما المخاطر التنظيمية والأخلاقية التي ينبغي استباقها عند تعميم حلول الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة كالصحة والتعليم والإدارة؟

لابد هنا من الإشارة إلى أن تعميم الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة، يثير جملة من المخاطر التنظيمية والأخلاقية التي تستوجب الاستباق، في مقدمتها مخاطر حماية المعطيات الشخصية، بالنظر إلى طبيعة البيانات الصحية والتعليمية والإدارية، ما يفرض احترام الإطار القانوني الوطني المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.

كما تبرز مخاطر التحيز والتمييز الناتجة عن جودة البيانات أو تصميم الخوارزميات، وهو ما قد يمس مبدأ الإنصاف والمساواة في الولوج إلى الخدمات. وتؤكد الأطر الدولية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي على ضرورة الشفافية، وإمكانية تفسير القرارات الآلية، وضمان الإشراف البشري، خصوصاً في القرارات التي تمس الحقوق الأساسية للأفراد.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب تحديد واضح للمسؤوليات القانونية في حال وقوع أخطاء أو أضرار يشكل تحديا تنظيميا حقيقيا، ما يستدعي تطوير أطر حكامة قائمة على تقييم المخاطر، كما هو معمول به في التجارب التنظيمية المقارنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى