سنة 2025.. حين سقط وهم “الانفصال” وتقدم الحكم الذاتي كخيار أممي وحيد

أميمة حدري: صحافية متدربة

دخلت قضية الصحراء المغربية خلال سنة 2025، مرحلة فارقة في تاريخها، بعدما انتقل هذا الملف من وضعية النزاع المؤجل إلى أفق الحسم السياسي الواضح، في سياق دولي وإقليمي أعاد ترتيب الأولويات، وجعل من الاستقرار والأمن والتنمية عناوين مركزية في مقاربة القضايا العالقة.

ولم تعد الصحراء المغربية، مع توالي محطات هذه السنة، مجرد ملف يدار داخل أروقة الأمم المتحدة، بل تحولت إلى نموذج لحل سياسي واقعي تلتف حوله مواقف دولية متزايدة، عنوانه الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

هذا التحول لم يكن وليد لحظة عابرة، بل ثمرة مسار تراكمي قادته الرباط بثبات، مستندة إلى شرعية تاريخية وقانونية، وإلى دبلوماسية نشطة استطاعت أن تنقل النقاش من شعارات الانفصال المتآكلة إلى منطق الحل الممكن والقابل للتنزيل. سنة 2025، بهذا المعنى، لم تكن سنة عادية في مسار القضية، بل شكلت لحظة سقوط نهائي لوهم “الانفصال”، وبروز الحكم الذاتي كخيار أممي وحيد لا بديل عنه.

سياق دولي متحول وصعود منطق الاستقرار

جاءت التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية خلال 2025، في سياق دولي شديد التعقيد، يتسم بتصاعد الأزمات الجيوسياسية، وتنامي المخاوف الأمنية في مناطق متعددة من العالم، وعلى رأسها منطقة الساحل وشمال إفريقيا.

وفي هذا المشهد، باتت القوى الكبرى تنظر إلى النزاعات المزمنة باعتبارها عبئا استراتيجيا يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، ويغذي شبكات الهشاشة والتطرف والهجرة غير النظامية.

ضمن هذا السياق، نجح المغرب في تقديم نفسه كشريك موثوق، قادر على ضمان الاستقرار وربط الأمن بالتنمية، وعلى طرح حل سياسي متوازن لنزاع مفتعل طال أمده. وهو ما جعل المقاربة المغربية تحظى بقبول متزايد داخل المنتظم الدولي، ليس فقط لوجاهتها السياسية، بل لانسجامها مع التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي.

القرار الأممي 2797.. منعطف حاسم في مسار القضية

شكل اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 2797، بتاريخ 31 أكتوبر الماضي، أبرز محطة مفصلية في مسار قضية الصحراء المغربية خلال السنة. فالقرار، الذي صدر بمبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها صاحبة القلم، أعاد التأكيد بوضوح غير مسبوق على أن الحل السياسي للنزاع يجب أن ينطلق من مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، باعتبارها الإطار الواقعي والعملي الوحيد القابل للتطبيق.

وبهذا المضمون، نقل القرار القضية من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة التأسيس الفعلي للحل النهائي، تحت السيادة المغربية، واضعا حدا عمليا لأطروحات فقدت أي سند سياسي أو قانوني داخل الأمم المتحدة. ولم يعد الحكم الذاتي خيارا من بين خيارات، بل المرجعية الوحيدة التي يبنى عليها أي مسار سياسي مقبل.

دلالات التصويت وسقوط رهانات التعطيل

اكتسب القرار 2797 أهمية إضافية من خلال سياق التصويت عليه، إذ حظي بتأييد 11 دولة من أصل 15 عضوا بمجلس الأمن، في وقت فشلت فيه الجزائر، رغم تحركاتها المكثفة، في تعطيل مساره أو التأثير في جوهره.

كما أن امتناع كل من روسيا والصين وباكستان عن التصويت، دون استخدام حق النقض، عكس تحولا مهما في موازين القوى داخل المجلس، وإقرارا ضمنيا بأن منطق تعطيل الحل لم يعد مجديا.

هذا المشهد أكد أن المجتمع الدولي بات أكثر ميلا إلى الحسم، وأن أطروحة الانفصال لم تعد قادرة على فرض نفسها داخل المؤسسات الأممية، مقابل صعود متزايد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي الوحيد.

الدبلوماسية الملكية.. حضور سيادي في لحظة القرار

أظهرت سنة 2025، الدور الحاسم الذي اضطلع به الملك محمد السادس في إنجاح محطة القرار 2797. فقد أكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن العاهل المغربي تدخل شخصيا في الساعات الأخيرة التي سبقت التصويت، عبر اتصالات مباشرة مع عدد من القادة الدوليين، لضمان تأمين أغلبية مريحة داخل مجلس الأمن، وتفادي أي لجوء محتمل إلى حق النقض.

هذا التدخل عكس طبيعة المقاربة المغربية الجديدة في تدبير ملف الصحراء، والتي انتقلت إلى مستوى الدبلوماسية السيادية العليا، حيث يدار الملف باعتباره قضية دولة في أعلى تجلياتها، لا مجرد ورقة تفاوضية ظرفية. وهو ما مكن الرباط من تثبيت موقعها كفاعل وازن يفرض مسار الحل بدل الاكتفاء بالتكيف مع معادلاته.

روسيا.. لهجة جديدة بعد القرار الأممي

من بين أبرز التحولات السياسية التي ميزت سنة 2025، برز الموقف الروسي الذي أعقب اعتماد القرار 2797. فقد أعلنت موسكو، عبر وزارة خارجيتها، دعمها للجهود الدولية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي دائم لقضية الصحراء المغربية، في ضوء المستجدات التي أفرزها القرار الأممي.

وجاء هذا الموقف عقب اتصال هاتفي جمع نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، بالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، خصص لبحث آفاق العملية السياسية. ورغم امتناع روسيا عن التصويت، فإن لهجتها بعد القرار عكست تحولا هادئا لكنه دال، يقوم على احترام المسار الأممي ورفض أي تصعيد من شأنه عرقلة الحل السياسي.

بريطانيا والانتقال إلى موقف أوضح

شهدت سنة 2025 أيضا تحولا لافتا في الموقف البريطاني من قضية الصحراء المغربية، حيث جددت لندن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الأكثر جدية وواقعية. وقد عبرت الحكومة البريطانية عن هذا الموقف خلال مناقشات رسمية داخل مجلس العموم، مؤكدة أن تسوية هذا الملف تشكل مدخلا أساسيا لتعزيز الاستقرار في شمال إفريقيا.

ويقرأ هذا التطور باعتباره انتقالا من منطق التحفظ إلى تبني موقف أكثر وضوحا، ينسجم مع التحولات التي يعرفها المنتظم الدولي، ويعكس إدراكا متزايدا بأن الحكم الذاتي المغربي يشكل حجر الزاوية في أي معادلة إقليمية مستقرة.

الولايات المتحدة.. تتويج مسار استراتيجي

لا يمكن فهم ما تحقق خلال 2025، دون استحضار المسار الذي دشنته الولايات المتحدة منذ اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه في دجنبر 2020. فجاء القرار 2797 تتويجا عمليا لهذا التحول الاستراتيجي، عبر تثبيت الحكم الذاتي كأساس وحيد لأي حل سياسي.

وخلال السنة نفسها، واصلت واشنطن لعب دور محوري في الدفع نحو تهدئة التوترات الإقليمية، وربط حل نزاع الصحراء بإعادة تحريك التعاون المغاربي وضمان الأمن الطاقي الأوروبي، في إطار رؤية تعتبر المغرب ركيزة أساسية في هندسة الاستقرار بشمال إفريقيا والساحل.

خطاب ملكي يؤطر الانتقال من التدبير إلى التغيير

وفي سياق ما بعد القرار 2797، جاء خطاب الملك محمد السادس ليؤطر مرحلة جديدة في مسار قضية الصحراء المغربية، حيث أكد العاهل المغربي أن المملكة انتقلت، في ملف وحدتها الترابية، من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير. مبرزا أن الدينامية التي أطلقتها الرباط خلال السنوات الأخيرة، بدأت تعطي ثمارها، سواء داخل الأمم المتحدة أو على مستوى مواقف الدول المؤثرة.

وسلط الخطاب الملكي الضوء على معطى بالغ الدلالة، يتمثل في أن ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باتت تعتبر مبادرة الحكم الذاتي الإطار الوحيد لحل النزاع، إلى جانب تنامي الاعتراف بالسيادة الاقتصادية للمغرب على أقاليمه الجنوبية، من خلال تشجيع الاستثمارات والمبادلات التجارية مع هذه الأقاليم.

“عيد الوحدة” محطة رمزية غير مسبوقة في الذاكرة الوطنية

كما توجت سنة 2025 بإقرار “عيد الوحدة” كمحطة رمزية غير مسبوقة في الذاكرة الوطنية، بعدما قرر الملك محمد السادس جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا، تخليدا للتحول التاريخي الذي عرفته قضية الصحراء المغربية عقب اعتماد القرار الأممي 2797.

هذا القرار الملكي لم يكن إجراء بروتوكوليا، بل حمولة سياسية ودستورية عميقة، تعكس انتقال قضية الوحدة الترابية من خانة النزاع المفتعل إلى خانة المكسب السيادي المحسوم. ويأتي “عيد الوحدة” ليؤسس لوعي جماعي جديد، يربط بين الشرعية الدولية والشرعية التاريخية، ويجعل من هذا التاريخ لحظة جامعة يستحضر فيها المغاربة، داخل الوطن وخارجه، مسارا طويلا من الصبر والترافع والالتفاف حول العرش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى