ماذا بعد تآكل لولب إغلاق صنبور العسكر؟؟؟

عبد الفتاح نعوم
سعى القوم خلال السنوات الخمس الماضيةجاهدين إلى تثوير الواقع الميداني والعسكري والدبلوماسي لكي يهربوا من وصف “الطرف” الذي يلقي عليهم المسؤولية فقط، قياسا إلى ما تمليه المعطيات القانونية للنزاع، لكن عينهم كانت على موقع أعلى يحملهم مسؤولية أكبر ويعطيهم موقعا تفاوضيا أفضل، وهو الوصف الذي يتطابق مع اعتبار انفصال الصحراء “قضية وطنية جزائرية”، ولهذا سعوا إلى جر المغرب نحو حرب وصعدوا في الخطاب الدبلوماسي، ونجحوا إلى حد ما في جعل قسم من الجزائريين يصطفون إلى جانبهم بخصوص كل مواقفهم العدائية من المغرب.

الان كل هذا سقط وأصبح وراءنا ووراءهم، ولم يعد بمقدورهم سوى تحمل أعباء التوصيف الذي وضع معالمه خطاب المسيرة الخضراء للعام 2014، وخرج من رحمه كل المسلسل الأممي الجاري، وزخمته الاحداث والمعطيات اللاحقة لحسم مسألة الكركرات، وبقي توصيف “الطرف” مأزقا قائما يسعى القوم إلى الهرب منه تارة بالتهرب من حضور الموائد المستديرة وأخرى باقتراح وساطة مزعومة مستحيلة، وصولا إلى الجلوس صاغرين حول مائدة مدريد، ليصفهم اليوم مسعد بولس بكونهم ملاحظ شأنهم شأن موريتانيا، بالرغم من ان موريتانيا موقفها متقدم باعتبار كونها طرفا متعاقدا في اتفاق انهاء الاستعمار وما تلاه من حرب ثم انسحاب من الإدارة المؤقتة التي تمددت فعليا بسبب ظروف الحرب.

لم يبق اليوم في جعبة القوم سوى أن يقبلوا ولو على مضض الموقع الحالي الذي يجعلهم طرفا في النزاع، مسؤوليتهم تكمن في عدم عرقلة مسار حله، بل إن أي عرقلة ستأتي من بوليساريو لن يدفع كلفتها سوى هم، وليقولو في إعلامهم ما شاؤوا لحفظ ماء الوجه.

الوقائع الجارية تجعل العسكر في موقع لا يحسدون عليه، لكنهم لن يتورعوا عن التموضع معه لاغراق التفاوض في عناصره ومحدداته المباشرة، أي ما يتصل بالحكم الذاتي وتنزيله وردم متعلقاته المباشرة، من قبيل مسألة المخيمات وسلاح بوليساريو، وهذا عزل للحل عن متعلقات أخرى من قبيل عضوية جمهورية بوليساريو في الاتحاد الإفريقي ومستقبل الملف في اللجنة الرابعة، ذلك أن استمرارهما بعد تنزيل الحكم الذاتي وتفكيك بوليساريو ومخيماته سيترك عنوانا ملائما للقوم لكي يقولوا: “ألم نقل لكم إن الحكم الذاتي ليس حلا؟ هاهو قد تم تطبيقه ومع ذلك مازالت القضية قضية تصفية استعمار ومازالت جمهورية بوليساريو عضوا مؤسسا للاتحاد الافريقي؟؟”.

عزل الحل ليس الورقة الوحيدة المتبقية في يد عسكر المرادية، بل إن الورقة الأخطر التي بيدهم تكمن أيضا في تثقيل الحل بمرفقات أخرى من قبيل اقتراح فريق كروي للاقليم انطلاقا من الفقرة السادسة من المادة 11 من النظام الأساسي للفيفا، والتخلص من عبء المخيمات عبر رمي كرة نار ديموغرافية وثقافية جرى تخميرها لمدة خمسين عاما بعيدا عن أي إجراء شفاف للمفوضية السامية، ولنا أن نتخيل حجم تاثير ذلك على السياسات الثقافية والديموغرافية والتعليمية وغيرها.

قبل أن يصل العسكر بسبب قرار مجلس الامن وما تلاه من ضغط أمريكي إلى ما يشبه وضعية تآكل لولب إغلاق صنبور الماء، كان ذلك الضغط الماثل في الاستعجال الأمريكي والثبات المغربي مأزقا للجزائر، لكن بعد اجتماع مدريد سيتحول الأمر إلى استعجال جزائري يوافق نظيره الأمريكي ويدفع المفاوض المغربي نحو التباطؤ عبر آليتي تثقيل الحل وعزله.

تحركات الجزائر المندفعة صوب تذويب الجليد مع فرنسا، والسعي إلى إعادة التموضع في الساحل، هي تحركات يراد منها ارباك المعطيات الجيوسياسية التي راكمها المغرب والتي في ظلها وبسببها فرض جدوى حل الحكم الذاتي، وليس مستبعدا أن العسكر سيتنازلون عن الكثير في كل الاتجاهات لافراغ المسار كاملا من أي معنى قانوني أو جيوسياسي راهن عليه المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى