مكناس بين تغيير الرئاسة ودعاوى التجريد.. مجلسٌ في دوّامة الانقسامات

حسين العياشي

تعيش جماعة مكناس على إيقاع أزمة سياسية متواصلة، انتقلت من إقالة الرئيس السابق إلى صراعات حادة بين مكونات المجلس، وصولاً إلى دعاوى قضائية للتجريد من العضوية، بل وحتى الجدل حول قانونية استمرار بعض المستشارين في ممارسة مهامهم رغم صدور أحكام قضائية ضدهم. مشهد معقد يضع مؤسسةً منتخبة يفترض أن تدبر شؤون المدينة أمام مأزق سياسي متواصل، في وقت ينتظر فيه المواطنون حلولاً عملية لمشاكلهم اليومية.

بداية الانقسام تعود إلى فترة الرئيس السابق، حين تصاعدت حدة التوترات داخل المكتب المسير نتيجة خلافات حول تدبير الصفقات والبرمجة المالية. ومع إقدامه على وقف بعض أشكال الريع التي استنزفت ميزانية المدينة لسنوات طويلة، انقلب عليه مستشارون من حزبه نفسه، حزب التجمع الوطني للأحرار، الذين لم يترددوا في مهاجمته في كل مناسبة. المفارقة أن الحزب لم يتخذ حينها أي إجراء تأديبي ضدهم، رغم أن مواقفهم بدت متعارضة مع خطه السياسي، ما جعل المتتبعين يتساءلون إن كانت تلك الهجمات تندرج ضمن الضوابط التنظيمية أم أنها مجرد تصفية لحسابات ظرفية؟

إزاحة الرئيس فتحت الباب أمام انتخاب مكتب جديد برئاسة مختلفة، يقودها عباس المغاري، عن حزب الاتحاد الدستوري، غير أن هذا التغيير لم ينه الانقسام، بل أعاد إنتاجه في صيغة أخرى. فقد وُصفت الأغلبية الجديدة ب”الهشة”، خصوصاً بعدما قرر حزب الأحرار، الذي كان يقود المجلس سابقاً، الاصطفاف في المعارضة. لكن المفاجأة جاءت من داخل الحزب نفسه، حين اختار ثلاثة من أعضائه الانضمام إلى معسكر الأغلبية الجديدة. هذا التحول اعتبره الأحرار خروجاً عن الانضباط الحزبي، فبادر إلى رفع دعوى قضائية لتجريدهم من عضويتهم، لينتقل الصراع من قاعة المجلس إلى ردهات المحاكم.

غير أن ما زاد الوضع تعقيداً هو استمرار الأعضاء الثلاثة المعنيين في ممارسة مهامهم داخل المجلس، والمشاركة في أشغاله رغم صدور أحكام قضائية بتجريدهم من العضوية.

هذا الوضع أثار موجة من الجدل القانوني والسياسي، إذ اعتبر البعض أن بقاءهم يشكل خرقاً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فيما يرى آخرون أن الأمر يرتبط بإجراءات المسطرة القضائية النهائية، مما جعل مجلس مكناس يعيش حالة “لا يقين قانوني” زادت من ارتباك المشهد السياسي وتعطيل العمل المؤسساتي. وأكدت مصادر ل”إعلام تيفي”، أن كل هذه الممارسات ستؤخذ بعين الاعتبار، أثناء صياغة تعديلات القوانين الجديدة للمجالس المنتخبة.

التجمع الوطني للأحرار ليس وحده من سلك هذا التوجه، بل تبعته احزاب اخرى. فمن جهته، لجأ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، للقضاء الإداري طلبا لتجريد مستشارة تنتمي إليه، من عضويتها بنفس المجلس بسبب مخالفتها للضوابط الحزبية وعدم انضباطها لقراراته. وقدم في شخص أمينه العام إدريس لشكر، وبواسطة دفاعه، طلبا في الموضوع لإدارية فاس. ويتعلق الأمر برتيبة الراية المستشارة الاتحادية بجماعة مكناس، ووكيل لائحة الحزب النسائية لهذه الجماعة في الانتخابات الأخيرة، فيما يعتبر الحزب رابع حزب بمكناس يطالب بتجريد أعضائه بالجماعة من العضوية، والذين حكمت المحكمة الإدارية بفاس بتجريدهم بعضهم منها.

تداعيات هذه الانقسامات انعكست مباشرة على سير العمل داخل الجماعة، جلسات مشحونة، نصاب مهدد بالتعطيل، ولجان تقنية تحولت إلى ساحات لتصفية الحسابات. ملفات حيوية مثل إعادة البرمجة المالية، إطلاق طلبات العروض، أو متابعة دفاتر التحملات ظلت رهينة الحسابات السياسية، فيما مشاريع المدينة، من الإنارة والنظافة إلى البنية التحتية والاستثمارات، تأخرت بشكل لافت.

وفي الوقت الذي تبادل فيه الفرقاء اتهامات بـ”التغول” و”التسييس”، بقيت ساكنة مكناس المتضرر الأكبر، إذ وجدت نفسها أمام مجلس غارق في التجاذبات أكثر من انشغاله بخدمة المواطنين. أصوات من المجتمع المدني عبّرت عن استيائها، مؤكدة أن المدينة تدفع ثمن الصراع الداخلي، وداعية إلى هدنة سياسية تعيد ترتيب الأولويات وتُحرّر العمل الجماعي من رهائن المناكفات.

اليوم، يقف المجلس أمام مفترق طرق حاسم: فإذا أفضت دعاوى التجريد إلى إعادة توزيع المقاعد، فقد يتغير ميزان القوى داخل المكتب المسير بما يفرض تحالفات جديدة، أما إذا استمر التصعيد، فإن المجلس سيظل غارقاً في حالة “بلوكاج” مزمن، حيث تُدار الملفات بالانتظار بدل الحسم.

والأكيد أن هذه الأزمة لم تكن لتأخذ هذا الحجم لولا تراخي الأحزاب السياسية نفسها، التي تركت الخلافات الداخلية تستفحل، ولم تُفعّل آليات الوساطة والانضباط الحزبي في الوقت المناسب. وإذا لم تتحمل هذه الأحزاب مسؤوليتها كاملة في إعادة الانسجام داخل صفوفها، فإن جماعة مكناس ستظل رهينة توازنات هشة، يدفع ثمنها المواطن أولاً وأخيراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى