من أكادير إلى فاس.. شركة مثيرة للجدل تعود للهيمنة على صفقات المستشفيات العمومية

حسين العياشي
تعود شركة سبق أن ارتبط اسمها بسجالات واسعة داخل القطاع الصحي إلى واجهة الصفقات العمومية من جديد، وهذه المرة من بوابة المستشفى الجامعي بفاس، في تطور يعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول شفافية تدبير صفقات الخدمات داخل المستشفيات العمومية، وحدود الرقابة الإدارية والمالية المفروضة على المتعاقدين مع وزارة الصحة.
مصادر مطلعة لـ”إعلام تيفي”، أكدت أن الشركة نفسها التي أثارت في وقت سابق موجة انتقادات بعد فوزها بصفقة تتعلق بخدمات التمريض بالمستشفى الجامعي بأكادير، عادت لتفوز هذه المرة بصفقة جديدة تخص خدمات التنظيف بالمستشفى الجامعي بفاس، بقيمة تقديرية تناهز 14.743.872 درهماً، وذلك وفق ما تتضمنه الوثائق الرسمية المرتبطة بالصفقة رقم 01/2026/SCP، التي جرى الإعلان عن نتائجها يوم الجمعة 16 يناير 2026.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن تكرار ظهور نفس الشركة في صفقات مرتبطة بمرافق صحية حساسة يطرح تساؤلات حقيقية حول منطق الإسناد ومعايير الانتقاء، خصوصاً في ظل ما راكمته من جدل مهني وإعلامي خلال السنوات الأخيرة. وتضيف أن غياب أي توضيحات رسمية بخصوص كيفية التعامل مع الملاحظات السابقة، أو مدى أخذها بعين الاعتبار خلال دراسة العروض الجديدة، يعمق الشكوك حول فعالية آليات التتبع والمساءلة.
الأكثر إثارة للانتباه، وفق المعطيات المتوفرة، هو توسع نشاط الشركة ليشمل مجالات مختلفة داخل المستشفيات، من خدمات التمريض إلى خدمات التنظيف، وهو ما يفتح باب التساؤل حول احترام مبدأ التخصص، ومدى قدرة متعهد واحد على ضمان الجودة المطلوبة في خدمات ترتبط بشكل مباشر بسلامة المرضى وشروط الاستشفاء. وتؤكد المصادر أن الجمع بين صفقات بملايين الدراهم داخل نفس القطاع، وفي مؤسسات جامعية يفترض أن تخضع لمستويات عالية من المراقبة، لا يمكن اعتباره مجرد صدفة إدارية.
وتشير المصادر نفسها إلى أن مساطر إسناد الصفقة الأخيرة اتسمت بقدر كبير من الغموض، في ظل غياب نشر محاضر تقييم العروض التقنية والمالية، وعدم توفر أي معطيات حول تقارير تتبع تنفيذ الصفقات السابقة، أو نتائج افتحاصات محتملة كانت قد أُعلن عنها في سياقات سابقة. هذا الوضع، تضيف المصادر، لا ينسجم مع مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص التي ينص عليها قانون الصفقات العمومية، ويجعل من الصعب تقييم ما إذا كانت معايير الجودة والكفاءة قد احتُرمت فعلاً.
وفي نظر عدد من المتتبعين للشأن الصحي، فإن استمرار فوز نفس الأسماء بصفقات كبيرة داخل المستشفيات الجامعية، دون ظهور نتائج واضحة للمحاسبة أو التصحيح، يضع وزارة الصحة أمام امتحان حقيقي بخصوص قدرتها على فرض الانضباط داخل منظومة التعاقد العمومي، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمات تمس بشكل مباشر شروط العلاج والنظافة والسلامة داخل المؤسسات الاستشفائية.
وفي ظل هذا الصمت الرسمي، لا يبدو أن الأسئلة المطروحة تجد طريقها إلى الإجابة، ولا أن آليات المحاسبة تتحرك بالوتيرة التي يفرضها حجم الصفقات وحساسية المرافق المعنية. فحين يتعلق الأمر بمستشفيات جامعية يفترض أن تشكل خط الدفاع الأول عن صحة المواطنين، يصبح أي تهاون في تدبير الصفقات أو في مراقبة المتعاقدين مخاطرة مضاعفة، لا تطال المال العام فقط، بل تمس جوهر الحق في خدمة صحية آمنة ومحترمة.
وبين تضخم الأرقام وغياب الشفافية، يبقى الرهان الحقيقي معلقاً على قدرة الجهات الوصية على كسر دائرة التكرار، وإثبات أن الولوج إلى الصفقات العمومية تحكمه معايير الاستحقاق لا منطق الاعتياد.





