من موقع تصوير إلى قطب إنتاج متكامل.. لماذا يثير مشروع خديجة العلمي كل هذا الجدل؟

حسين العياشي
في خضم النقاش الذي رافق الإعلان عن مشروع “أرغان ستوديوز” قرب الرباط، برزت أصوات تشكك في خلفياته، وتلمّح إلى وجود دعم مالي مباشر من الدولة، وكأن الأمر يتعلق بامتياز عمومي مُقنّع. غير أن معطيات دقيقة حصل عليها موقع “إعلام تيفي” من مصادر مطلعة على تفاصيل الملف تفيد عكس ذلك تمامًا، المشروع استثمار خاص تقوده المنتجة المغربية خديجة العلمي، بشراكة مع فاعلين خواص أمريكيين، دون تمويل من الميزانية العامة.
هذا التوضيح ليس تفصيلاً هامشيًا، بل جوهري لفهم طبيعة الرهان؛ فنحن أمام مبادرة استثمارية تسعى إلى بناء بنية تحتية قادرة على استبقاء القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، في قطاع يعرف تنافسًا دوليًا حادًا، ويعتمد على سرعة التنفيذ، وجودة المنصات، وتكامل الخدمات.
المعضلة التي واجهها المغرب خلال السنوات الماضية لم تكن في جذب الإنتاجات الأجنبية، بل في الاحتفاظ بها حتى آخر مشهد؛ كثير من الشركات العالمية كانت تختار التصوير في استوديوهات ورزازات لإنجاز مشاهد محددة، بكلفة قد تصل أحيانًا إلى ما يقارب مليار سنتيم شهريًا، قبل أن تغادر لاستكمال بقية المشاهد في بلدان أخرى تتوفر على منصات أكثر تطورًا أو ديكورات متنوعة جاهزة. في بعض الوجهات الأوروبية القريبة، مثل ماربيا الإسبانية، يمكن أن تصل كلفة الإنتاج إلى سبعة مليارات سنتيم في أسبوع واحد فقط.
هذا النزيف المالي لا يتعلق فقط بفارق جغرافي، بل بفارق في البنية التحتية؛ المنتج الأجنبي يبحث عن منظومة متكاملة؛ منصات تصوير مغلقة واسعة، فضاءات خارجية قابلة لإعادة التهيئة، استوديوهات صوت عالية العزل، مرافق متطورة لما بعد الإنتاج، وخدمات لوجستية متصلة بالمطارات والإقامة والنقل. عندما لا يجد كل هذه العناصر في مكان واحد، يضطر إلى تقسيم الإنتاج بين دول متعددة، فتتوزع معه العملة الصعبة التي كان يمكن أن تبقى كاملة داخل البلد.
من هذا المنطلق، يأتي مشروع “أرغان ستوديوز” بوصفه استجابة عملية لهذه الفجوة؛ الهدف ليس منافسة ورزازات أو غيرها، بل استكمال الحلقة الناقصة، رفع مستوى الديكورات، وتوفير أرضيات مشاهد متنوعة، وإعداد فضاءات قابلة لتجسيد بيئات حضرية وتاريخية ومعاصرة دون الحاجة إلى مغادرة التراب الوطني. بمعنى آخر، الانتقال من دور “موقع تصوير طبيعي” إلى “مركز إنتاج متكامل”.
الرهان هنا اقتصادي بامتياز. حين تبقى كل مراحل الإنتاج داخل المغرب، فإن الإنفاق لا يقتصر على كراء المنصات، بل يشمل الإقامة، والخدمات التقنية، والتغذية، والنقل، وأجور التقنيين والفنيين، ومصاريف ما بعد الإنتاج. نحن أمام سلسلة قيمة كاملة يمكن أن تُضخ في الاقتصاد المحلي بدل أن تتوزع بين عواصم أوروبية.
القول بوجود دعم مالي مباشر من الدولة، وفق ما أفادت به مصادر “إعلام تيفي”، لا يستند إلى أي أساس؛ نعم، الدولة تستفيد من أي استثمار يعزز جاذبية البلاد، لكن التمويل هنا خاص، والمخاطرة يتحملها المستثمرون الخواص، بل إن منطق المشروع يقوم على استثمار رأسمال خاص من أجل تعظيم عائدات عامة غير مباشرة من تشغيل، ضرائب، نقل معرفة، وترسيخ تموقع دولي.
ثم إن التجربة السابقة أظهرت أن المغرب قادر على جذب أسماء عالمية، لكنه بحاجة إلى ترسيخها؛ عندما يختار منتج عالمي تصوير جزء من عمله في المغرب ثم يغادر لإكماله في الخارج، فإن ذلك يعكس محدودية في العرض وليس في الطلب. الطلب موجود، والسمعة موجودة، والتنوع الطبيعي حاضر، لكن الحلقة التقنية المتقدمة ظلت بحاجة إلى استثمار ثقيل، وهو ما يحاول المشروع تلبيته.
الدفاع عن هذا مشروع “أرغان ستوديوز” لا يعني إنكار حق النقاش، بل وضعه في سياقه الصحيح. نحن أمام مبادرة خاصة تسعى إلى سد فجوة هيكلية في الصناعة، والحفاظ على العملة الصعبة داخل الاقتصاد الوطني، وتقليص اعتماد المنتجين على منصات أجنبية تستنزف ميزانياتهم خارج المغرب.
في صناعة بحجم السينما العالمية، حيث تُقاس القرارات بالدقائق والكلفة بالآلاف في الساعة، لا يكفي أن تملك صحراء خلابة أو مدينة عتيقة ساحرة. يجب أن تملك كذلك استوديو بمواصفات دولية، وديكورًا جاهزًا، وفريقًا تقنيًا مدرَّبًا، وخدمة ما بعد الإنتاج تحت السقف نفسه. هذا ما يسعى المشروع إلى توفيره.
وإذا كان الرهان هو تثبيت المغرب على خريطة الإنتاج الدولي لا كمحطة عابرة بل كقاعدة إنتاج كاملة، فإن الاستثمار في البنية التحتية ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية. هنا تتضح الصورة: ليس مشروعًا مدعومًا من المال العام، بل استثمار خاص يراهن على تعظيم المردودية الوطنية، وتحويل المغرب من فضاء تصوير جزئي إلى منصة إنتاج شاملة تحتفظ بكل المشاهد… وكل العائدات.





