مندوبية بنموسى.. ملايين تذهب هدرا في بلاغات باردة وصمت يطول بين تقرير وآخر

أميمة حدري: صحافية متدربة
بين أرقام ميزانية ضخمة تبدو على الورق كقلاع من المال العام، تظهر المندوبية السامية للتخطيط في أبهى صور التناقض. نفقات بالملايين، وفاعلية ضعيفة على الأرض، وبلاغات باردة تصدر بين حين وآخر لتسد فقط فراغ الشفافية الذي خلفته سنوات طويلة من الصمت المؤسسي، ونزيف مستمر في الموارد البشرية يهدد صميم قدرتها على الإنجاز.
إطلالة خفيفة على الميزانيات المخصصة لمندوبية بنموسى، تكشف حجم الاعتمادات التي ترتفع سنة بعد أخرى، فالميزانية المخصصة للسنة الجارية، بلغت نحو 618 مليون درهم، خصص منها 65 في المائة للأجور، و31 في المائة للمعدات والنفقات، و4 في المائة للاستثمار، فيما ارتفع مشروع ميزانية السنة المقبلة، إلى 623 مليون درهم، موزعة على 389 مليون درهم للأجور و210 ملايين للنفقات والمعدات و24 مليون للاستثمار، أرقام تبدو ضخمة لكنها تخفي أزمة فعلية في العمق البشري للمؤسسة.
الوضعية أكثر حدة حينما تحلل حركة الموارد البشرية، إذ غادر بين 2021 و2025 نحو 430 موظفا وأجيرا للتقاعد، مقابل 195 منصبا جديدا فقط، أي عجز صاف قدره 225 منصبا، وفي الفترة 2026–2028 يتوقع أن يغادر 307 موظفين إضافيين، بينهم أكثر من 100 خلال سنة واحدة، بينما لن يتم إحداث أكثر من 60 منصبا جديدا لتعويضهم.
هذا الواقع يكشف هشاشة المؤسسة وهيكلها الوظيفي، ويضع علامة استفهام كبيرة على قدرة المندوبية على الوفاء بمسؤولياتها، في حين تظل البلاغات المتقطعة والباردة التي تصدر بين حين وآخر بمثابة غطاء شكلي لا يعكس إلا الحد الأدنى من الحقيقة.
الأمر نفسه يتكرر عند النظر إلى الإحصاءات الوطنية، التي تفترض أنها جوهر عمل المندوبية، ولا سيما إحصاء العام للسكان والسكنى 2024. ميزانية هائلة خصصت للإحصاء، قدرتها 1.46 مليار درهم، لكنها لم تمنع ظهور نتائج أثارت جدلا واسعا، من بينها ارتفاع معدل البطالة من 16.2 بالمائة سنة 2014 إلى 21.3 بالمائة سنة 2024، وانخفاض نسبة المغاربة الذين يتحدثون اللغة الأمازيغية إلى 25 في المائة، ما أثار شكوكا حول دقة المنهجية المستخدمة وموثوقية النتائج، وسط غياب أي شفافية فعلية حول آليات صرف الأموال، وهو ما يعكس سياسة الجمود التي اعتمدتها المندوبية لعقود طويلة.
التجارب السابقة تؤكد التناقض الكبير بين الموارد والنتائج، فإحصاء 2014 كلف نحو مليار درهم، مع تخصيص 70 إلى 80 في المائة لتعويض الباحثين والمشرفين الميدانيين، فيما ذهبت البقية لشراء المعدات وكراء السيارات وخدمات الأقمار الصناعية، دون أي توضيح دقيق عن الصرف أو آليات الرقابة، ليبقى المواطن أمام فراغ معلوماتي كبير وصمت طويل يطيل الفجوة بين الأموال المرصودة والشفافية المنشودة.
وعلى مستوى توزيع الميزانية حسب المهام، خصصت المندوبية 86 مليون درهم لإدارة القيادة والدعم، و114 مليونا لإنتاج المعلومة الإحصائية والحسابات الوطنية، و4.5 ملايين للدراسات والبحوث السوسيو-اقتصادية والديموغرافية، و29 مليونا لتكوين الأطر، أي أن الجزء الأكبر من الأموال يذهب للأجور والمعدات، فيما النتائج على الأرض تبقى محدودة، والقدرة على الإنتاج الفعلي للمعطيات مهددة بالنقص الحاد في الموارد البشرية.
هذا، وتبدو المندوبية السامية للتخطيط، أسيرة تناقضاتها، ملايين تنفق بلا رؤية واضحة، موارد بشرية تغادر بلا تعويض كاف، وبلاغات باردة تصدر بين حين وآخر لتؤكد فقط حجم الصمت الطويل الذي يطيل الفجوة بين المال والنتائج، ويضع المؤسسة تحت ضغط متزايد من المواطنين والفاعلين الاقتصاديين على حد سواء.
ويطرح الواقع الحالي، سؤالا جوهريا يفرض نفسه، كيف يمكن لمؤسسة بهذا الحجم من الموارد أن تفي بمسؤولياتها الوطنية في ظل غياب استراتيجية واضحة للرقابة والتدبير الداخلي، وسط الملايين المهدورة والبلاغات الباردة التي لا تكشف سوى الحد الأدنى من الحقيقة؟





