نحن بحاجة لمدن تصمد.. لا فقط لملاعب تلمع

أميمة حدري: صحافية متدربة

في الأيام الأخيرة، حولت الأمطار الغزيرة مدينة القصر الكبير إلى مرآة صادمة لهشاشة البنية التحتية في المغرب. المشهد لم يكن مجرد تساقط للمياه، بل كان اختبارا قاسيا لقدرة مدننا على الصمود أمام تقلبات الطبيعة.

وفي المقابل، نجد الملاعب الحديثة، تلك التي استثمر فيها المغرب مليارات، تلمع وتتألق حتى في ظل أمطار غزيرة، دون أن تتأثر أرضياتها. وهذا التناقض يطرح سؤالا جوهريا، لماذا نهتم بالمظهر الخارجي فقط بينما تبقى المدن نفسها عرضة للخطر؟ ولماذا لا نعمم ما فعلناه في الملاعب الرياضية على كافة المدن المغربية الهشة؟.

الفيضانات الأخيرة ليست مجرد حادث عرضي، فهي انعكاس مباشر للتغيرات المناخية المتسارعة التي لا تعرف حدودا. كما أنها تكشف فجوة واضحة بين مشاريع البنية التحتية الكبرى، المرتبطة بالاستعداد للفعاليات الرياضية القارية والدولية، وبين واقع المدن العادية، حيث يظل المواطن في مواجهة مباشرة مع العواصف، بلا حماية كافية، بلا خطط استباقية فعالة.

القصر الكبير، مثل مدن أخرى، يذكرنا بضرورة التفكير الاستباقي وليس التفاعلي فقط. وضع خرائط دقيقة للمخاطر، تطوير شبكات صرف صحي فعالة، وتعزيز آليات التحذير المبكر، ليست بالرفاهيات، بل هي أمور حياتية حتمية.

تجربة الملاعب الحديثة يمكن أن تكون نموذجا، لكنها تظل ناقصة إذا لم يمتد أثرها ليشمل كل المدن.
وبينما نرفع أعيننا إلى السماء بالدعاء طالبين رحمة المطر، علينا ألا نغفل الدعاء العملي أيضا، أي الالتزام بسياسات وقائية تحمي الإنسان قبل أن يصل المطر إلى شرفته. فالاستثمار في الإنسان وحمايته من المخاطر الطبيعية هو ما يمنح المدن قيمتها الحقيقية، وليس فقط بريق الملاعب أو البطولات الدولية.

الأمر لا يقتصر على البنية التحتية وحدها. المجتمع المدني، الجمعيات البيئية، وحتى الإعلام، كلهم شركاء في بناء وعي جماعي يطالب بالمدن المقاومة، القادرة على الصمود أمام الفيضانات، الحرائق أو أي كوارث طبيعية. فالتاريخ علمنا أن الخسائر المادية والبشرية، كانت دائما أقل في الأماكن التي تدار بالاستباقية والتخطيط العلمي.

نحن إذا بحاجة لمدن تصمد… لا فقط لملاعب تلمع، هذا هو التحدي الحقيقي، وهو اختبار لنضج التخطيط المدني واستشراف المستقبل. لأن المدينة التي لا تحمي مواطنيها، مهما زينت ملاعبها، ستظل دائما معرضة للفشل، والمطر سيبقى مرآة صادقة لهشاشتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى