نقابات الصيادلة تصعّد في مواجهة مجلس المنافسة وتلوّح بإضراب وطني

حسين العياشي
يتصاعد التوتر بين نقابات صيادلة الصيدليات بالمغرب ومجلس المنافسة على نحو غير مسبوق، في سياق أزمة مهنية متشعبة تختلط فيها رهانات التنظيم الاقتصادي بمخاوف تتعلق بمستقبل المهنة وتوازنات سوق الدواء. فبعد اتهامات صريحة للمجلس باعتماد نهج إقصائي والتراجع عن التزامات سابقة مرتبطة باستمرار الحوار، دخلت التصريحات النقابية مرحلة أكثر حدة، لتكشف عن انقسام داخلي في الرؤى وارتفاع منسوب الشك بشأن ما يجري تدبيره في الكواليس.
النقابات كانت قد عبّرت عن استيائها الشديد من عدم توجيه الدعوة إليها لحضور اجتماع ثانٍ نظمه مجلس المنافسة، رغم وعود سابقة بفتح نقاش تشاركي حول الملفات الخلافية. واعتبرت أن تغييب الفاعلين الأساسيين في قطاع الصيدلة يمسّ بمبادئ الديمقراطية التشاركية والشفافية، ويثير تساؤلات حول منهجية التعاطي مع قضايا ترتبط مباشرة بصحة المواطنين وتنظيم المهنة.
وفي خضم هذا التوتر، كشفت مصادر نقابية في تصريحات لـ”إعلام تيفي” عن قراءة أكثر تشدداً لما يجري، معتبرة أن تسريع مجلس المنافسة تقديم مقترحه للجهة المعنية، رغم التعهد بمواصلة الحوار، «لا يحتمل سوى تفسير واحد»، يتمثل في وجود رغبة لدى أطراف نافذة في تمرير مشروع لتحرير قطاع الصيدلة قبل نهاية الولاية الحكومية الحالية، بما يفتح المجال أمام قوى اقتصادية تسعى للاستحواذ على هذا المجال الحيوي.
وتذهب هذه المصادر إلى أن الاجتماع الأول مع المجلس «لم يكن سوى محطة شكلية»، هدفها، بحسب تقديرها، إلهاء ممثلي الصيادلة واحتواء تحركاتهم، وفي الآن ذاته توفير غطاء مسطري وقانوني يمنح مشورة المجلس صفة الشرعية الدستورية التي يمكن للحكومة أن تبني عليها قراراتها المرتبطة بتحرير القطاع وتعديل القوانين المنظمة له، بما ينسجم مع مصالح «لوبيات المال» الساعية إلى إعادة تشكيل خريطة الصيدلة في المغرب.
وترى الأصوات ذاتها أن الردود التقنية أو التوضيحية الصادرة عن المجلس، مهما بلغت قوتها القانونية، لن تكون كافية لإيقاف ما تصفه بـ«المسار الممنهج»، معتبرة أن الدفاع عن مستقبل المهنة يفرض البحث عن أدوات ضغط أخرى، من بينها خيار الإضراب الوطني العام، الذي ينبغي أن تسبقه حملة توعية واسعة داخل الجسم المهني، خصوصاً في ظل معطيات تفيد بأن نسبة كبيرة من الصيادلة لا تزال غير مطلعة على تفاصيل المشروع المطروح وتداعياته المحتملة.
وتُطرح داخل النقاش المهني كذلك مقترحات باللجوء إلى القضاء الدستوري، للطعن في أي إجراءات أو نصوص قد تمسّ بالتوازنات المهنية أو تتعارض مع الضوابط المنظمة للقطاع، في خطوة يرى أصحابها أنها قد تشكل مساراً موازياً للضغط المؤسساتي.
غير أن هذه المواقف المتشددة لا تعكس إجماعاً داخل الوسط الصيدلي، إذ برزت قراءات أخرى تعتبر أن النموذج التقليدي لتدبير الصيدلية بلغ حدوده، مستدلّة بالأزمات البنيوية التي تعيشها المهنة، ومؤكدة أن أي طرح جديد سيؤدي، بحكم منطق السوق، إلى انتقال مركز القيادة من الصيادلة إلى رأس المال. ورغم أن المقاومة قد تؤخر هذا التحول، فإنها لن توقفه، وفق هذا الطرح، ما يفرض التفكير في بدائل واقعية بدل الاكتفاء بالدفاع عن نموذج «متهالك»، خصوصاً في ظل وجود عدد متزايد من الصيادلة المفلسين المستعدين للانخراط في شراكات رأسمالية للخروج من الأزمة.
وفي موازاة ذلك، ظهرت دعوات أكثر راديكالية داخل بعض النقاشات المهنية، وفق ما أفادت به المصادر، تقترح اللجوء إلى أشكال ضغط غير تقليدية، من قبيل التوقف الجماعي عن بيع أدوية واسعة الاستعمال لفترة محدودة من أجل إجبار الحكومة على التراجع وفتح باب التفاوض. غير أن هذه المقترحات قوبلت برفض أخلاقي ومهني من داخل الجسم الصيدلي نفسه، حيث اعتبرها كثيرون مساساً بواجب حماية صحة المواطنين وخروجاً عن جوهر الرسالة الصحية للمهنة.
كما برز اتجاه آخر يدعو إلى إعادة بناء التمثيلية المهنية على أسس جديدة، عبر تفعيل أدوار الغرف الجهوية ونسج تحالفات قانونية ومؤسساتية بين الصيادلة في صيغ تعاقدية مختلفة، لمواجهة ما يوصف بـ«اللوبيات» بأدوات تنظيمية مماثلة، بدل الاكتفاء بردود فعل ظرفية أو الارتهان للصراعات النقابية التقليدية.
وبين هذه المواقف المتباينة، تتشكل صورة قطاع يعيش لحظة مفصلية، تتقاطع فيها رهانات الإصلاح الاقتصادي مع هواجس الاستقرار المهني وأخلاقيات الممارسة الصحية. وفي قلب هذا المشهد، يظل سؤال التوازن بين منطق السوق وحماية المهنة وصحة المواطنين مطروحاً بإلحاح، في انتظار ما ستسفر عنه جولات الحوار المرتقبة أو مسارات التصعيد التي باتت النقابات تلوّح بها بشكل صريح.





