المدرسة العمومية في زمن الريادة ..تجميل السطح وتجاهل العمق

نجوى القاسمي
في كلمته الشهرية بالبرلمان، قدم رئيس الحكومة صورة وردية عن واقع التعليم بالمغرب، متحدثا بحماس عن مشروع “مدارس الريادة” باعتباره خطوة استراتيجية نحو إصلاح المدرسة العمومية، مستندا إلى توجيهات ملكية وردت في خطاب العرش سنة 2015، والذي دعا إلى منح التعليم المكانة الثانية بعد الوحدة الترابية، مع التركيز على اللغات العلمية والتقنية لضمان اندماج التلاميذ في المجتمع.
و لكن هذه الصورة المتفائلة سرعان ما تتلاشى عند مقارنة مضامينها بما يعيشه رجال ونساء التعليم، والتلاميذ داخل هذه المؤسسات.
9 مليار درهم سنويا… فأين هي النتائج؟
رئيس الحكومة تحدث عن تعبئة 9 مليار درهم إضافية سنويا لتحسين العرض التربوي، واعتبر نجاح الحوار الاجتماعي مع النقابات وإشراك الأطر في المشروع دليلا على مصداقيتها.
كما أعلن عن توسيع مشروع الريادة ليشمل أكثر من 2626 مؤسسة تعليمية تضم مليونا و300 ألف تلميذ. لكن هذه الأرقام الكبيرة لا تجد انعكاسا ملموسا على أرض الواقع، حيث يعاني الأساتذة من نقص فادح في الموارد، واكتظاظ خانق في الحجرات يصل عدد التلاميذ لـ 45 تلميذا في العديد من الأقسام ، وغياب للتجهيزات الأساسية التي وعدت بها الحكومة، بما في ذلك الحواسيب والكراسات والوسائل البيداغوجية.
المنحة الضائعة..وخيبة أمل الأساتذة
المنحة السنوية التي وعدت بها الحكومة للأساتذة المنخرطين في المشروع تحولت بدورها إلى مصدر استياء، بعد أن تبين أنها ستُصرف لمرة واحدة فقط في المسار المهني بدل صرفها سنويا، كما كان متوقعا.
هذا القرار فهم من طرف الأساتذة كتنصل من الالتزامات، مما أدى إلى شعور بالإحباط وسط من يفترض أنهم قاطرة هذا الإصلاح.
في المقابل، إذا كانت هذه المفاهيم التقنية مثل التشجير، وصباغة الأقسام، وتحسين فضاء المدرسة، وتنظيم الحصص، تطرح اليوم كعناصر أساسية ضمن مشروع “مدارس الريادة”، فإن غيابها في باقي المؤسسات التعليمية العمومية يطرح سؤالا جوهريا حول مدى جدية الإصلاح. فهذه العناصر، رغم أهميتها، لم تكن يوما حاضرة في الواقع المدرسي اليومي، ما جعل المدرسة العمومية تفقد جاذبيتها، وتضعف الثقة فيها، وتساهم في عزوف الأسر والتلاميذ عنها.
تتبين من خلال المعطيات المتوفرة أن تجربة “مدارس الريادة” غير قابلة للتعميم في ظل الإكراهات البنيوية التي تعيق نجاحها، خاصة على مستوى التأطير التربوي، وتأهيل المؤسسات، وتجهيزها بالوسائل الضرورية.
أصدر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي تقريرا يقيم تجربة “مدارس الريادة”، وقد خلُص إلى نقطتين محوريتين تشكلان جوهر النقد الموجّه لهذا المشروع.
أولا، أكد المجلس أن تجربة الريادة، في ظل الإكراهات الواقعية المرتبطة بنقص التأطير التربوي، وضعف تأهيل المؤسسات، وقصور التجهيزات، لا يمكن تعميمها وطنياً، مما يضع المشروع برمته موضع تساؤل حول قابليته للاستمرار والفعالية.
ثانيا، أشار التقرير إلى أن النموذج المعتمد في “مدارس الريادة” ينحرف عن التوجهات الكبرى التي نصت عليها الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، وكذا القانون الإطار 17.51، ما يجعله مشروعا خارج السياق المرجعي الوطني للإصلاح التربوي.
الأساتذة والتلاميذ في الميدان لا يبحثون عن خطابات براقة، بل عن واقع مدرسي كريم يحترم كرامة المدرس ويضمن بيئة تعليمية سليمة للتلميذ.
وبين ما تعلنه الحكومة في البرلمان، وما يعانيه الممارسون داخل الفصول، تتأكد مرة أخرى الهوة الواسعة بين الخطاب السياسي والحقيقة التربوية.




