مجزرة فهمي الجرجاوي ..حين تحولت الفصول إلى أفران موت جماعي وسط غزة

نجوى القاسمي
في مشهد يختزل بشاعة العدوان، استيقظ سكان حي الدرج وسط مدينة غزة، فجرا، على صواريخ إسرائيلية مزّقت السماء وهزت الأرض، لتسقط فوق رؤوس نازحين احتموا بفصول مدرسة “فهمي الجرجاوي”، ظنا منهم أنها ملاذ آمن، فإذا بها تتحوّل إلى “أفران مغلقة” تلتهم من فيها من أطفال ونساء ومسنين.
المدرسة التي كانت تؤوي آلاف النازحين، تحولت بين لحظة وأخرى إلى مسرح مجزرة مروعة، حيث استهدفت الغارات الإسرائيلية 3 فصول دراسية في الطابق الأرضي، التهمت النيران من بداخلها، وحاصرتهم بالدخان والموت.
مشهد لا يحتمله بشر
مدير الإسعاف والطوارئ في شمال غزة، فارس عفانة، وصف المشهد في مقطع مصور قائلا: “احترقت 3 فصول بالكامل. كانت تضم نازحين نائمين. اشتعلت الأجساد، وارتفعت صرخات الأطفال والنساء، لكننا لم نستطع إنقاذ أحد بسبب كثافة النيران”.
عفانة أكد أن الغارة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 30 فلسطينيا، معظمهم نساء وأطفال، نُقلت جثثهم إلى مستشفيي “الشفاء” و”المعمداني”، بينما أصيب أكثر من 60 آخرين بجراح متفاوتة وحروق بالغة.
مشاهد قاسية التُقطت في المكان، أبرزها لمسعف يحمل طفلة صغيرة من عائلة الشيخ خليل أُخرجت من تحت الركام، بينما كان يبحث عن أقاربها المصابين أو المفقودين.
“المدرسة تحوّلت إلى قبر جماعي”
من منزلها المقابل للمدرسة، روت الفلسطينية نوال حسن 48 سنة ، ما رأته تلك الليلة: “استيقظنا على صوت انفجارات رهيبة، خرجنا إلى الشرفات فوجدنا المدرسة تشتعل. صرخات الأطفال كانت تتعالى من بين ألسنة اللهب، لكن النار كانت أسرع من الجميع”.
نوال لم تتمالك دموعها وهي تشير إلى نوافذ الفصول المحترقة: “جثث صغيرة كانت تحترق أمام أعيننا. رأينا أجسادا تتحرك بين النيران، ثم سكتت إلى الأبد. كلنا صرخنا، لكن صراخنا لم يسبق النيران”.
وتختم حديثها بغضب: “كيف يمكن لأي ضمير أن يبرر ما حدث؟ المدرسة صارت قبرا جماعيا. هذه جريمة حرب بكل المقاييس.
الناجون يروون الرعب
الشاب يوسف الكسيح، أحد الناجين من الفصول المجاورة، قال إن الصاروخ سقط بينما كان الجميع نائمين. “انفجار عنيف، ثم نيران التهمت المكان. حاولنا كسر النوافذ لإنقاذ العالقين، لكننا فشلنا أمام شدة الحريق”.
الكسيح أضاف: “الدفاع المدني وصل بعد ساعات. ما شاهدناه كان مرعبا: جثث محترقة ملتصقة بالجدران والأرض. لم يبق من بعضهم سوى رماد.
أبو إبراهيم، خمسيني نجا من المجزرة، جلس أمام الركام والغبار يغطي وجهه، والغضب يتلألأ في عينيه: “لم نفعل شيئا سوى أننا نريد العيش على أرضنا. لا نطلب إلا الكرامة، فلماذا يُحرق أطفالنا؟”.
وأشار إلى الدمار من حوله قائلا: “هذه أرضنا، لن نغادرها، ولن نسامح من أحرق أحلامنا وأجساد أطفالنا.
ثلاجة الموتى لم تعد تكفي
في مستشفى الشفاء، فاقت أعداد الضحايا قدرة المشرحة. جثامين مكدسة، بعضها في أكياس بيضاء، وأخرى ملفوفة ببطانيات مشبعة بالدخان. وجوه الأطفال كانت ما تزال واضحة، بينما تحولت أجساد أخرى إلى كتل سوداء يصعب التعرف عليها.
همس أحد المسعفين لزميله قائلا: “لم نجد مكانا للجثث. الأرض أصبحت ثلاجة موتى مفتوحة.
خرجت مواكب التشييع واحدا تلو الآخر، يحمل فيها الأهالي أطفالهم ونساؤهم على الأكتاف، وسط صمت موجع تارة، وصراخ حارق تارة أخرى.
إبادة لا تتوقف
منذ السابع من أكتوبر 2023، يشن الاحتلال حربا غير مسبوقة على قطاع غزة، يجمع مراقبون ومؤسسات حقوقية على وصفها بـ”الإبادة الجماعية”، مع تجاهل تام لقرارات محكمة العدل الدولية والمطالبات الأممية بوقف العدوان.
الحصيلة حتى الآن، وفق مصادر طبية فلسطينية، تجاوزت 176 ألف قتيل وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب أكثر من 11 ألف مفقود، ومئات الآلاف من النازحين، ومجاعة تهدد الحياة في القطاع، وقد أودت بالفعل بحياة العديد من الأطفال.
وفي مدرسة فهمي الجرجاوي، كانت صفحات من مأساة غزة تكتب بالنار والدخان، وتقرأ بالبكاء والوجع.





