أطفال الشوارع.. جراح مفتوحة في وجه الدولة الاجتماعية

فاطمة الزهراء ايت ناصر

في مشهد يتكرر يوميًا أمام أعين الجميع، تنتشر في شوارع المغرب، خاصة في مدن مثل القنيطرة والدار البيضاء، مشاهد لأطفال متخلى عنهم، يبيتون فوق الأرصفة وتحت الجسور، يتقاسمون الشارع مع الخطر، وينامون على أحلام مبعثرة بين دخان المخدرات وشبح الاعتداء والاغتصاب. هم أطفال لم تختَر الشوارع أن تنجبهم، بل لفظتهم أسر مكلومة تحت وطأة الفقر، أو تخلت عنهم قسوة الجهل وانعدام المسؤولية، في غياب دولة قادرة على أن تحتضنهم وتمنحهم الحق في الطفولة.

بهذه الكلمات القوية والمؤثرة، عبرت النائبة خدوج السلاسي عن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية، خلال جلسة بمجلس النواب، عن عمق الجرح الاجتماعي الذي يمثله الأطفال في وضعية شارع. قالت بلهجة حزينة وحاسمة: “رأيتهم متسولين ووجوههم شاحبة، متعبة بالمخدرات… هؤلاء ليسوا فقط أطفال شوارع، فالشوارع لا تنجب، بل هم ضحايا مجتمع أهملهم، ضحايا أسر لفظتهم، ومدارس لم تتسع لهم، ودولة لم تأخذهم في حساباتها وهي تخطط لما تسميه بالدولة الاجتماعية”.

وأضافت النائبة بغضب مشروع: “هؤلاء الأطفال هم مشاريع الحاقدين، وهم أول طُعم للتطرف والانحراف والجريمة، وعلينا أن نسأل بجرأة: ماذا فعلتم من أجل هؤلاء الأطفال؟”. تساؤل يلخص فشلًا متعدد الأبعاد، من التربية إلى الحماية، ومن الوقاية إلى الإدماج.

في ردها، حاولت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة ابن يحيى، طمأنة الرأي العام، موضحة أن الوزارة لا تُسميهم “أطفال شوارع”، بل “أطفال في وضعية شارع” أو “مشردون”، مشيرة إلى أن مقاربة الوزارة تنطلق من التوجيهات الملكية السامية ومقتضيات الدستور في إطار تفعيل السياسة المندمجة لحماية الطفولة.

الوزيرة كشفت عن جهود تبذلها الوزارة، أبرزها تعميم إحداث اللجان الإقليمية لحماية الطفولة، والتي بلغت 82 لجنة عبر التراب الوطني، تترأسها السلطات الإقليمية، وتضم في عضويتها ممثلي القطاعات المعنية بالطفولة. وتهدف هذه الأجهزة إلى وضع منظومة متكاملة لحماية الأطفال من مختلف أشكال العنف والاستغلال.

كما ذكرت الوزيرة أن 1408 أطفال استفادوا من تدخلات هذه اللجان سنة 2024، لكن الرقم، على أهميته، يبدو ضئيلًا أمام الأعداد المتزايدة للأطفال الذين يواجهون مصيرًا مجهولًا في الأزقة والأسواق ومحطات القطار والشواطئ.

ومع أن الوزارة تؤكد على التوجه نحو معالجة الظاهرة عبر أجهزة ترابية وتدابير قانونية، إلا أن الواقع في مدن مثل القنيطرة والدار البيضاء يشي بأن المقاربة الحالية، وإن كانت بنوايا حسنة، لا توازي حجم المأساة ولا تجيب بشكل جذري على سؤال الإنقاذ والإدماج.

أطفال الشوارع في المغرب ليسوا مجرد “ظاهرة”، بل إنذار اجتماعي خطير يهدد النسيج الوطني ويطرح تساؤلات حارقة عن معنى الدولة الاجتماعية، وعن قدرة المؤسسات على أن تُنقذ الطفولة من الشارع قبل أن يتحول الشارع إلى مستنقع دائم لتفريخ الانحراف والعنف والضياع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى