خفة الدم أم خيانة الهوية؟ الذكاء الاصطناعي يربك الحدود

نجوى القاسمي

تشهد تقنيات الذكاء الاصطناعي طفرة غير مسبوقة تحدث تحولا عميقا في عالم الإعلام وصناعة المحتوى الرقمي. هذه الثورة التكنولوجية فتحت آفاقا واسعة في التعليم، والتواصل، والإبداع، وأتاحت للمستخدمين فرصا لإنتاج محتويات مبتكرة بسرعة ودقة مذهلتين.

لكن في مقابل هذه المكتسبات، بدأت المجتمعات تواجه تحديات خطيرة تتجاوز الجانب التقني لتلامس عمق القيم والهوية الثقافية.

تزييف الوعي عبر قوالب مخادعة

في الآونة الأخيرة، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تستغل فيها تقنيات التزييف العميق (Deepfake) لتقديم شخصيات مغربية في مشاهد صادمة، لا تعكس حقيقة المجتمع المغربي ولا تحترم مرجعياته الدينية والثقافية. فباسم “الحرية” و”الفكاهة”، تقدّم محتويات تظهر أطفالا يتحدثون بلغة لا تليق بأعمارهم، ومراهقين يتناولون مواضيع جنسية أو سلوكية خارجة عن إطار التربية السليمة.

وفي تصريح لـ “إعلام تيفي”، أكد محمد أكديد، خبير أمني، أن هذه الفيديوهات التي تُنتج بالذكاء الاصطناعي تتجاوز هدف الترفيه لتُوظف في ضرب الهوية المغربية واستهداف الأسرة. وأضاف أن غالبية مستخدمي الإنترنت لا يملكون الوعي الكافي للتمييز بين الفيديوهات الساخرة والمحتويات التي تخفي رسائل مدمرة للقيم المجتمعية.

وحذر أكديد من خطورة تقمص شخصيات سياسية مغربية داخل هذه المقاطع، مما قد يؤدي إلى تهديد الأمن العام وزعزعة الاستقرار. لكنه في الوقت ذاته أكد أن المديرية العامة للأمن الوطني تتوفر على كفاءات قادرة على التصدي لهذا النوع من الفيديوهات المُضللة.

استرزاق على حساب الهوية

من جانبه، أوضح الطيب هزاز، خبير في الأمن السيبراني، أن الإقبال الكبير على إنتاج محتويات الذكاء الاصطناعي بات وسيلة للربح السهل عبر إنشاء صفحات “فيسبوكية” تروج لهذه الفيديوهات، سواء تلك التي تهدف إلى الإضحاك أو التي تشوه صورة المجتمع من خلال تسويق محتويات مبتذلة مستترة باللهجة المغربية واللباس التقليدي.

وأشار هزاز إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الهجمات السيبرانية التقنية بقدر ما يكمن في استهداف وعي المجتمع، خصوصا من خلال الترويج لمواضيع مجتمعية تقدم بشكل مبتذل لا يليق بمستوى النقاش العام.

وأضاف أن هذه الظاهرة أصبحت جزءا من خطة ممنهجة تشترك فيها صفحات مغربية وأخرى غير مغربية بهدف تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة على حساب الثقافة والهوية المغربية.

جلباب مغربي في خدمة الانحلال

الخطورة تكمن في أن هذه الفيديوهات تغلف بعناية في قوالب تراثية جذابة: الجلباب المغربي، القفطان، أزقة المدن العتيقة، المعمار التقليدي وحتى الأهازيج الشعبية. يتم توظيف هذه التفاصيل كـطعم ثقافي لاستدراج المشاهد نحو مضامين تروج للانحلال وتسويق التفاهة على أنها “مرح” أو “حرية”.

هذا التوظيف الذكي للرموز التراثية لا يعد صدفة، بل هو جزء من خطة مدروسة توظف الذكاء الاصطناعي ليس فقط لإنتاج المحتوى، بل أيضا لمراقبة ردود الأفعال عبر الخوارزميات التي تغذي المستخدمين بمزيد من المحتويات المشابهة، ما يخلق فقاعة رقمية تحاصر الفرد وتشكل وعيا موازيا بعيدا عن واقعه الحقيقي.

قال الطيب هزاز، خبير في الأمن السيبراني، إن من الضروري أن تتحرك الجهات الوصية بشكل عاجل للحد من استغلال الرموز الثقافية المغربية  كالجلباب وكل ما يرتبط بالهوية المغربية في إنتاج مقاطع فيديو هدفها الأساسي تحقيق الربح المادي على حساب القيم المجتمعية.

في النهاية، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة يمكن أن تخدم التنمية والتقدم، لكن متى ما وظف بشكل موجه ضد القيم، يصبح خطرا صامتا يتسلل إلى الوعي الجمعي من حيث لا ندري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى