البرلمان يناقش ملف الصحة للمرة الثالثة..والحكومة لا تجد دواء لعطب المنظومة الصحية

نجوى القاسمي
في مشهد لم يعد غريبا تحت قبة البرلمان، عاد رئيس الحكومة عزيز أخنوش، للمرة الثالثة خلال الجلسة الشهرية، ليعيد على مسامع النواب نفس الأسطوانة حول ورش تعميم التغطية الصحية.
خطاب يبدو وكأنه نجا من كل متغيرات الواقع الصحي الذي يتفاقم يوما بعد يوم، كأن الزمن السياسي يسير في خط مواز لا يلتقي أبدا مع نبض الشارع.
أخنوش تحدث هذه المرة بثقة عن نجاح منصف في تعميم التغطية الصحية، وعن رافعة استراتيجية عنوانها “الأمن الصحي”، لكن خلف لغة الأرقام والتصريحات الرسمية، تسكن حقائق صادمة: ما يقارب 9.2 مليون مغربي خارج منظومة التأمين الصحي.
الأدهى من ذلك أن 5.4 مليون مغربي ما زالوا بدون أي شكل من أشكال الحماية الصحية، بينما 3.8 مليون مغربي يعيشون وضعية “حقوق مغلقة”؛ أي أنهم مسجلون لكنهم ممنوعون فعلياً من الاستفادة من أبسط الخدمات الصحية، بسبب مشاكل إدارية معقدة، وممارسات تتشابك بين أطراف متعددة.
أن الأزمة ليست في الأرقام فقط، بل في الاختلالات البنيوية التي تعمق التفاوت الجغرافي الصارخ: خمس جهات فقط تحتكر أكثر من نصف المؤسسات الاستشفائية و79% من المصحات الخاصة. فيما تبقى مناطق بكاملها رهينة للعزلة الصحية.
من جانبه، عبد الرحيم شهيد، عن الفريق الاشتراكي، لم يجامل الحكومة هذه المرة. بصراحة ومرارة، قالها بوضوح: “نحن في نهاية الولاية وكان من المفترض أن نسمع أرقاما عن الإنجازات لا عن النوايا المتكررة.
شهيد انتقد ما اعتبره “اجترارا لخطابات فضفاضة لم تعد تقنع أحدا، وذكر بوعود الأغلبية الحكومية التي ظلت معلقة في فضاء الحملات الانتخابية.
أما رشيد الحموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، فكان أكثر حدة وصراحة، إذ عبر عن دهشته من هذا التحول المفاجئ في نظرة الأغلبية للوضع الصحي. من كان يهاجم وزير الصحة بالأمس، صار اليوم يصفق له، كأن شيئا لم يكن، قال الحموني بسخرية لاذعة.
الحموني تساءل: كيف يمكن لحكومة تُدرك أن 8.5 مليون مغربي لا زالوا خارج منظومة الحماية الصحية أن تتحدث بهذا القدر من الاطمئنان؟ بل وكيف يمكن لها أن تغض الطرف عن فوضى القطاع الخاص واستنزاف صناديق التأمين الصحي عبر فواتير متضخمة وبروتوكولات علاجية مبالغ فيها؟
وانتقد أوزين الفريق الحركي بشدة ما وصفه بـغياب رؤية واضحة لحل أزمة الموارد البشرية، مؤكدا أن المنظومة الصحية تعاني من خصاص مهول يقدر بـ32 ألف طبيب و65 ألف ممرض. وقال إن هذا الوضع يفرض إصلاحاً جذريا في منظومة التكوين الطبي، والاستثمار في كليات الطب وفق منظور جهوي عادل.
كما لفت إلى أن تدهور الظروف المهنية للأطر الصحية دفع ثلث الخريجين إلى مغادرة البلاد، بينما يعيش الثلثان المتبقيان على أمل الهجرة، ما يُنذر بمستقبل قاتم للقطاع الصحي إن لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
وتوقف أوزين عند مشكل المستشفيات الإقليمية التي قال إنها تحولت إلى بنايات إسمنتية خاوية، رغم الملايير التي خصصت لها من أموال دافعي الضرائب، متسائلا عن مغزى تداخل اختصاصات وزارتي الصحة والتجهيز، في غياب تجهيزات وموارد بشرية تضمن أداءها.
في المقابل، النائب علال العمراوي من الفريق الاستقلالي حاول رسم صورة أكثر توازنا، معترفا بأن الواقع الصحي كان هشا منذ سنوات، لكن “ما تحقق اليوم ليس هينا”، مشيرا إلى استفادة 11 مليون مواطن من خدمات مجانية أو مدعومة. ومع ذلك، لم يخف أن الإصلاح يتطلب رؤية متكاملة، وإرادة سياسية أقوى مما هو معروض.
ما يثير التساؤل حقا أن هذه هي المرة الثالثة التي يناقش فيها البرلمان ملف الصحة في الجلسة الشهرية، وفي كل مرة تعاد نفس المرافعة، بنفس العبارات تقريبا، دون أن تأتي الحكومة بجديد ملموس يطمئن المغاربة بأن التغيير قادم فعلا.
المواطن المغربي لا ينتظر خطابات منمقة، بل ينتظر مستشفيات تليق بكرامته، ينتظر طبيبا قريبا من بيته، ودواء في متناول يده. ينتظر إجابات دقيقة عن واقع التغطية الصحية وليس شعارات تستهلكها الجلسات البرلمانية.





