نواقص تشريعية وهيكلية في مشروع قانون التعليم العالي تثير تحفظات المجلس الأعلى

نجوى القاسمي

في إطار ممارسة صلاحياته الدستورية كمؤسسة استشارية معنية بتقييم السياسات العمومية في مجال التربية والتكوين والبحث العلمي، أصدر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي رأيه حول مشروع القانون المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، حيث بسط مجموعة من الملاحظات ذات الطابع المركزي والهيكلي والتقني، داعيا إلى تدارك عدد من النواقص المسجلة لضمان انسجام المشروع مع التوجهات الاستراتيجية الوطنية.

غياب رؤية استراتيجية واضحة

في مقدمة ملاحظاته، أكد المجلس أن مشروع القانون لم يترجم بالشكل الكافي الرؤية الشمولية المتكاملة التي أقرها القانون الإطار 51.17، معتبراً أن الانتقال من منطق الإصلاح إلى منطق التحول يقتضي تحديد اختيارات كبرى واضحة ومعلنة، تكون بمثابة مرجع توجيهي ملزم لجميع الفاعلين في المنظومة.

واعتبر المجلس أن أي نقص في التنصيص على رؤية استراتيجية متكاملة، من شأنه أن يعيق فهم المشروع ويؤثر على انسجامه الداخلي والخارجي، مما يجعله عرضة لتأويلات متباينة قد تضعف قدرته على إحداث الأثر المرجو منه في مجال التعليم العالي والبحث العلمي.

تحفظات بشأن الإحالات التنظيمية

سجل المجلس ملاحظة جوهرية تتعلق بكثرة الإحالات على نصوص تنظيمية في قضايا اعتبرها أساسية، داعيا إلى تضمين تلك المقتضيات في صلب النص القانوني.

وحذر من أن هذا الخيار قد يؤدي إلى إرباك على مستوى التطبيق، ويحد من قوة الضمانات القانونية المنصوص عليها، وهو ما قد يضعف الالتقائية بين السياسات العمومية في هذا القطاع الحيوي.

انتقد المجلس الهيكلة المعتمدة في المشروع، مشيرا إلى افتقارها للتوازن والتنظيم الموضوعاتي، حيث لاحظ تداخلاً في بعض الأجزاء، لاسيما الجزء الرابع الذي جمع بين قضايا البيداغوجيا، والموارد البشرية، والدعم الاجتماعي في قالب واحد، دون مراعاة لوحدة الموضوع.

كما نبه إلى غياب الدقة في معالجة حكامة مؤسسات التعليم العالي، خاصة تلك التابعة لقطاعات وزارية غير جامعية، داعيا إلى توفير نصوص واضحة تحدد أدوار ومسؤوليات مختلف المؤسسات بما يضمن الانسجام والنجاعة.

في ختام رأيه، قدّم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي مجموعة من التوصيات الأساسية التي من شأنها الرفع من فعالية مشروع القانون، أبرزها

وضع مخطط مديري وطني توجيهي للتعليم العالي، تستمد منه مخططات جهوية متفرعة، تروم ضمان جودة التعليم الجامعي وتوزيعه العادل على الصعيد الترابي.

ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة من خلال التنصيص عليها ضمن مقتضيات قانونية ملزمة، في إطار تعاقد شفاف بين الدولة والجامعات، يقوم على مؤشرات الأداء والمساءلة.

إحداث مجلس استراتيجي للجامعة يرأسه شخصية ذات مكانة اعتبارية، ويضم أعضاء يمثلون مختلف الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين والثقافيين، بما يضمن تعزيز انفتاح الجامعة على محيطها الترابي والاجتماعي.

تشكيل مجلس جامعي بتركيبة فعالة ومحدودة العدد، يرأسه رئيس الجامعة، يتولى تدبير الشأن الأكاديمي والعلمي، ويتمتع بصلاحيات تقريرية فعلية، مع تحديد ولاية أعضائه في أربع سنوات قابلة للتجديد.

تحديد واضح لاختصاصات المجالس الجامعية وفق مبدأ التكامل والانسجام، بعيداً عن أي تراتبية، بما يكرّس استقلالية الجامعة ويعزز دورها في خدمة التنمية الجهوية والوطنية.

يؤكد رأي المجلس الأعلى أن إصلاح التعليم العالي لن يكتب له النجاح إلا عبر قانون تشريعي قوي وواضح، ينبني على رؤية استراتيجية صلبة، وحكامة فعالة، وتدبير قائم على النتائج والمسؤولية. وفي غياب ذلك، قد تبقى مضامين المشروع حبرا على ورق، دون أثر ملموس على واقع الجامعة المغربية ومستقبل البحث العلمي والابتكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى