الهروب إلى الشاشات: أزمة تربوية في زمن العطلة

اعلام تيفي
في كل بيت تقريبًا، بات من العادي أن نرى طفلًا منغمسًا في شاشة هاتف أو لوحة إلكترونية، غارقًا في عوالم افتراضية لا تنتهي. ومع حلول العطلة الصيفية، يتضاعف هذا المشهد، وكأننا أمام جيل اختار أو أُجبر على قضاء أجمل أيام عمره داخل سجن رقمي صامت، يُقصيه عن الحياة الواقعية بكل ما فيها من تفاعل، تعب، متعة، وحياة.
العطلة التي كانت بالأمس مساحةً للانطلاق، واللعب في الأحياء، وزيارات الأقارب، والمخيمات الصيفية، صارت اليوم مجرد وقت فائض يُملأ بمزيد من الفيديوهات، الألعاب الإلكترونية، وساعات من التمرير اللامنتهي على تطبيقات لا تُشبع ولا تُثري.
الأسر، تحت ضغط الحياة اليومية، تتغاضى عن هذا التغيير الصامت. بعضهم يرى في الشاشات حلاً مؤقتًا لإسكات الطفل، أو تجنب خروجه للشارع، أو منحه ما يظنه “راحة” بعد عام دراسي. لكن ما يغيب عن بال كثيرين هو أن هذا “الحل” ليس إلا انسحابًا تربويًا كاملًا من معركة بناء الإنسان.
الطفل الذي يقضي عطلة الصيف أمام شاشة، هو طفل يُحرم من تجربة العالم الحقيقي. يفقد حس الإبداع، يضعف تواصله العاطفي، وتبهت لغته، وتضطرب قدرته على التركيز، وتبدأ هويته في التشكّل على وقع مؤثرات لا تخضع لأي رقابة أو توجيه.
ثم إن الشاشات لا تُقدّم فقط محتوى ترفيهيًا، بل تفتح نوافذ على ثقافات، وأفكار، وسلوكيات، قد تكون صادمة أو خطيرة أو مناقضة تمامًا لما يسعى الآباء والمجتمع إلى غرسه. ومع غياب التوجيه والحوار، تتحول هذه الشاشة إلى مُربٍ بديل، لا يكلّف شيئًا، لكنه يكلّف الكثير على المدى البعيد.
هل يعني هذا أن التكنولوجيا عدو؟ بالطبع لا. لكنها وسيلة، وليست غاية. ومن واجب الأسرة والمجتمع أن يوجها استعمالها، لا أن يتركا الطفل غارقًا فيها بلا بوصلة.
البدائل كثيرة: أنشطة جماعية، سفر ولو قريب، مطالعة، رياضة، زيارات عائلية، ورش إبداعية، أو حتى لحظات حقيقية حول مائدة تجمع أفراد الأسرة. فالعطلة الصيفية ليست فقط استراحة، بل زمن لبناء ذكريات، لا تُصنع بالضغط على زر، بل بالحضور، والتفاعل، والتجربة.
في زمن الشاشات، إن لم ننتبه، سنصحو ذات يوم على أطفال يعرفون كل شيء عن العالم الرقمي، ولا يعرفون شيئًا عن أنفسهم.





