من البرتغال إلى العالم… نداء متجدد لاعتراف دولي بمغربية الصحراء

علي العسراوي – باحث في العلاقات الدولية

في خطوة لافتة تعزز الزخم الدولي المتزايد والمؤيد لوحدة المغرب الترابية، عبرت البرتغال بشكل صريح عن دعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، ووصفتها بأنها “الأساس البناء والأكثر جدية ومصداقية من أجل تسوية هذا النزاع”. وذلك في إعلان مشترك صدر عقب لقاء جمع بين وزير الخارجية المغربي بنظيره البرتغالي بالعاصمة لشبونة.

هذا الموقف يكتسي أهمية خاصة نظرا للمكانة الاستراتيجية التي تحتلها البرتغال داخل الاتحاد الأوروبي، وباعتبارها فاعلا وازنا في المنطقة المتوسطية. كما أنه يأتي ليعزز موقع المغرب ضمن محيطه الأوروبي، في وقت يشهد فيه ملف الصحراء المغربية تحولات عميقة على مستوى التعاطي الدولي تقودها الديبلوماسية المغربية بنهج هادئ وفعال تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

كما جاء في الإعلان المشترك كون أن البرتغال تدرك أهمية هذه القضية بالنسبة للمغرب، مشيدة بالجهود الجادة وذات المصداقية التي يبذلها المغرب في إطار الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول لدى جميع الأطراف. هذا الإعلان لم يكن مجرد بلاغ تقليدي يعكس دفء العلاقات الثنائية، بل جاء حاملا لتطور نوعي في موقف بلد أوروبي مركزي.

لا يمكن فهم هذا التحول النوعي في المواقف الدولية دون استحضار الدور المحوري الذي لعبه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في ترسيخ رؤية ديبلوماسية متجددة قوامها المصداقية، الاستمرارية والتوازن في بناء الشراكات الدولية. فمنذ إطلاق جلالته لرؤية واضحة المعالم بشأن الصحراء المغربية بات واضحا أن كل شراكة دولية للمغرب تمر عبر بوابة الاعتراف بوحدته الترابية، وبهكذا استطاع المغرب بفضل هذه القيادة المتبصرة أن يحول معركة الصحراء من نزاع إقليمي مجمد إلى قضية تحظى بتأييد متزايد على المستوى العالمي، بدءا من الولايات المتحدة الأمريكية إلى إسبانيا، فرنسا… والآن البرتغال، مرورا بعدد كبير من الدول الإفريقية والعربية.

إن الموقف البرتغالي الجديد يشكل مؤشرا على تحول نوعي في منهجية الدول الأوروبية تجاه هذا الملف، من الحياد إلى دعم واضح لحل عملي، واقعي ودائم. وهو ما يتقاطع تماما مع ما دعا إليه صاحب الجلالة في أكثر من خطاب سام، حين جعل من ملف الصحراء معيارا لصدقية الشراكات ومصداقية المواقف الدولية. حيث قال جلالة الملك في الخطاب السامي بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب: “أوجه رسالة واضحة للجميع : إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”.

كما لا يمكن قراءة الموقف البرتغالي إلا في ضوء الأداء المتفاوت بين المغرب والجزائر في تدبير هذا الملف، ففي الوقت الذي يراكم فيه المغرب دعما دوليا ما زالت الجزائر تراهن على خطاب تقليدي متجاوز، قائم على المناورة الإيديولوجية ودعم كيان انفصالي فقد كل مشروعية سياسية، وبينما تنفتح الرباط على فضاءات متعددة للتعاون الاستراتيجي، تواصل الجارة الجزائر حصر نفسها في مقاربات أمنية جامدة لا تخدم حتى مصالحها الحيوية. والموقف البرتغالي الأخير جاء ليكرس عزلة الأطروحة الانفصالية ويؤكد تآكل قاعدتها الدبلوماسية داخل أوروبا.

الأكيد أن السياسة الخارجية للمملكة المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس تقوم على الوضوح والثبات والمصداقية. والموقف البرتغالي ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة الاعترافات المتزايدة بمخطط الحكم الذاتي كخيار وحيد لتسوية هذا النزاع المفتعل ومؤشر على تحول عميق في وعي المجتمع الدولي بطبيعة النزاع المفتعل وضرورة البحث عن حل واقعي ودائم يراعي سيادة المغرب ويضع حدا لمعاناة الصحراويين المحتجزين في تندوف.

هذا التطور الدبلوماسي لم يكن ليتحقق لولا وضوح الرؤية الملكية، وفعالية الدبلوماسية المغربية واستباقيتها في التفاعل مع التحولات الجيوسياسية. إذن هي ديبلوماسية فعالة وعقلانية تبنى على أرضية صلبة من الشرعية التاريخية، والتفاف شعبي ووطني لا يتزعزع حول الوحدة الترابية للملكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى